إبن سليمان الجزولي، القطب الصوفي الذي لبى نداء ربه ساجدا

محمـد القـنــور :

 

تستعد الرابطة الوطنية للطريقة الجزولية، في إطار الملتقى السابع لأهل دلائل الخيرات بالمغرب، أن تحيي تظاهرة ثقافية روحية وتواصلية يوم السبت 03 مارس المقبل بمناسبة تجديد كسوة ضريح الإمام محمد بن سليمان الجزولي، أحد رجالات مدينة مراكش السبعة، والمتصوف العالم المربي، الذي غطت شهرته مختلف مختلف أقاليم وجهات المملكة، وتجاوزتها إلى أقطار العالمين العربي والإسلامي، ولعل شهرة الإمام العالم الصوفي الجزولي تتمحور حول كونه، ظل عبر مختلف محطات حياته من العلماء العاملين، ومن الأئمة المهتدين، ممن يربطون القول بالفعل، والفكر بالعمل وممن جمع بين شرف النسب وعلو الهمة، وقوة الشكيمة وحضور البديهة وسلامة الدين، وشرف العلم ونجاعة العمل، وإستطاع أن يوحد مابين أحواله الربانية المنبثقة من درى الزهد والتصوف، ومن تلكـ المقامات العالية السماوية، التي ترفع أصحابها إلى أسمى الأخلاق الزكية، وأرفع الطريقة السنية، وأصدق منابع العرفان بحقوق الله والعباد.
فقد ولد الطفل محمد بن سليمان الجزولي سنة 1404 ميلادية، ببلاد جزولة من مناطق سوس الأقصى، كما سماها الجغرافيون والمؤرخون والرحالة، وفتح عبينيه طفلا صغيرا على ما كان في هذه المنطقة الواقعة بجنوب المغرب، من حركة علمية، ومن تدريس ومن تعدد في حلقات العلوم الشرعية والوضعية، فنشأ الطفل محمد متأملا دارسا، وباحثا عن أسرار ملكوت الله، ناظرا في الكتب وفي الدلالات والمعاني، وفي تلكـ المتون والمؤلفات التي تصقل المواهب، وتنمي العقل والوجدان والسريرة معا، نشأ ناظرا إلى كل تلك الآفاق الممتدة مابين سهل سوس الحالي و سلسلة جبال الأطلس الكبير من الشمال وجبال الأطلس الصغير من الشرق والجنوب والمحيط الأطلسي من الغرب.
وقد تربى خلال نشأته الأولى، ناظرا في شؤون سكانها من الأمازيغ و العرب، ومتجولا مابين خليطهما بقبائل هوارة،ومتأملا في تلكـ الغابات من شجر الأركان النادر، الممتدة على مرمى البصر، والمؤثتة للبراري البورية والمسقية، التي تحف بالمدن التي ستنبثق فيها، سواء خلال عصرالجزولي على غرار تارودانت، وتزنيت، أو في فترتنا الحديثة كـأڭادير عاصمة سوس حاليا، وإنزكان، وأيت ملول والدشيرة.
وقد وصف العالم محمد المختار السوسي صاحب “سوس العالمة” ومؤلف رائعة “المعسول” بلاد سوس رغم بعده زمنيا عن عصر الجزولي بما يزيد عن خمسة قرون ، فذكر أن بها تواجدٌ عربي وأمازيغي، وأن في صحراء سوس توجد قبائل من بني هلال وغيرهم من القبائل العربية، لا زالت تختلط بالقبائل الأمازيغية وأنهم لا يزالون يحافظون على أنسابهم وعلى لغتهم وآدابهم وفنونهم وعاداتهم إلى الآن، وأشار السوسي يرحمه الله أن في وسط سوس،يتكلم الناس بالأمازيغية وقلما يتكلمون العربية، إلا في أولاد جرار بضواحي تيزنيب، ولدى بعض القبائل التي تحيط بتارودانت، وخلص السوسي إلى أن أغلب الأسر العربية الأصل فإنها “تمزغت” حتى نسيت لغتها الأصلية، وأن لم تنس غيرتها العربية وأعماقها الدينية.
ومن المؤكد أن الإمام الجزولي من هذه الأسر، نظرا لما أجمع عليه المؤرخين والرواة حول نسبه الشريف، وإنحداره من تلكـ الدوحة المحمدية النبوية العطرة ، والسامقة والمتفرعة في مختلف البطون والقبائل، فهو سيدي محمد بن سليمان الجزولي السملالي الشريف الحسني، كما إتفقوا على أن القطب الولي الجزولي قد جمع مابين العلم اللدني، والسر الرباني، والتصريف النافذ التام، من الخوارق العظام والكرامات الجسام، مما جعله يتميز بمكانته العلمية في عصره وخلال العصور التي تلته إلى يومنا هذا، ويشتهر اجتهاداته، وبكفاءاته، وبتلكـ القدرة الفائقة على التأثير في محيطه والتأطير لتلاميذته وما كان يبرع فيه من تلقين لآيات الصلاح والبناء وتعليم لمريديه، وكلها صفات قلما كانت تجتمع في الفرد، ولكنها إجتمعت فيه أهلته ليصبح قبلة للناس من طلاب العلم والمعرفة، وقطبا من أقطاب الزهد والتصوف والصلاح، فصار يتحلق حوله المريدون، ويتكتل بين يديه الأتباع، ممن عجت بين أعدادهم آمال التغيير لما كان يعيشه مغرب القرن الثالث عشر الميلادي من أطماع خارجية في ثغوره وخيراته.


وطبيعي أن يشكل الإمام الجزولي أفقا ملحوظا ومعتبرا من آفاق النهضة المغربية آنذاكـ ، وعلما من أعلام بث الحس الديني والوطني ، مما كان انسجاما فكريا وعمليا مع مشروعه النابع من ثقافته الصوفية و الدينية التي أسست لما سيصبح معروفا بالطريقة الجزولية، والتي أحدثت مسلكا جديدا في مجال التصوف داخل المغرب وخارجه…
وعلى كل حال، فإن أبا عبد الله محمد بن عبد الرحمان بن أبي بكر بن سليمان السملالي السوسي الشهير عند العموم بــ “سيدي ابن سليمان”، نسبة إلى جده الثاني سليمان، يظل من أعلام التصوف المغربي والإسلامي، فقد انتهت إليه الطريقة الشاذلية في عصره، وعنه تفرعت جملة من الطرق كالطريقة التبَّاعية والغزوانية والفَلاحية والبَكرية والعِيساوية والشرقاوية والبوعمرية.
فقد أكد صاحب شجرة النور الزكية في طبقات المالكية”، المؤرخ الفقيه أحمد مخلوف المتوفى سنة 1360هـجرية ، ، أن سيدي محمد بن سليمان الجزولي شريفا حسنيا وأنه فقيها جامعا، وأنه الإمام شيخ الإسلام في عصره وما تلاه من عصور، وأنه علم الأعلام، وأنه كان عالما شيخا كاملا، عارفا بالله واصلا لملكوته، وأنه صاحب كرامات كثيرة، ومناقب شهيرة، أخذ عن أئمة علوم الظاهر كما تتلمذ على أقطاب علم الباطن وأنه انتفع بهم ونفع منهم، وقد تتلمذت على يده بدوره أعداد كثيرة من العلماء والمحدثين والفقهاء والمؤرخين والنحاة والبلاغيين والزهاد والمتصوفة، وانتفعوا بعلمه وبدروسه، فقد اجتمع بين يديه فيما يذكره المؤرخون من المُريدين ما يزيد على الاثنى عشر ألفا، منهم أحمد بن عُمر الحارثي المكناسي، والشيخ عبد العزيز الحرار التباع أحد رجالات مراكش السبعة، وأبو عبد الله الصغير السهيلي، ثم عن هؤلاء الثلاثة أخذ كل من القطب أبو عبد الله محمد بن عيسى المكناسي الولي المشهور العارف بالله ،صاحب الطريقة العيساوية، وأبو العباس أحمد بن سعيد، وأخوه محمد بن سعيد يرحمهم الله .

وطبيعيٌّ، فقد قصد الجزولي مدينة فاس لطلب العلم، فنزل بحي الصفارين منها فيما يذكره المؤرخون، ومكث يعيش في حياة من عزلة وتأملات، إذ لم يكن يُدخل أحدا إلى غُرفته التي كان يخلو فيها بنفسه، وقد نقش على جُدرانها عبارة الموت، الموت… ، وقد لقي في فاس، سيدة تقية عارفة ببعض أسرار الله الخفية، فلما رأى من كراماتها ما رأى سألها من أين لها ذلكـ ، فأجبته انه من كثرة الصلاة على رسول الله، مما سيصبح لاحقا أساس طريقه وطريق أتباعه، وخصوصا كتاب شيخهم الجزولي “دلائل الخيرات” فقد كانوا مواظبين عليه، ومُعتنين به، ومُستصحبين له في حلهم وترحالهم.
ومع ذلكـ ، فلم يطب للجزولي فيما يذكره الرواة المُقامُ في فاس، وإن كانت مدينة تعج بالعلم والعلماء، ولم تسعفه متطلبات الإستقرار بها، ولم يجد خلال هذه الرحلة الأولى لها، بفاس شيخا مربيا يمكنه سلوك طريق العرفان على يديه، أو ليألف له، ويتعلم على يديه، فأضطر الجزولي للسفر إلى المشرق حيث قضى سبع سنوات، متصلا بالعلماء وحاضرا لحلقات الشيوخ المربين، وتحدد الروايات أنه طاف في مدن الحجاز من مكة المكرمة والمدينة المنورة وفي مصر حيث دأب على حضور دروس الشيخ عبد العزيز العجمي بالأزهر، ثم رحل إلى مدينة القدس.
ويبدو أن الجزولي لم يعثر على ضالته في العلم والعرفان مع طول أمد جولته التي راوحت العقد من الزمن، مكنته من الإطلاع على تنوع الشيوخ وعلومهم وعلى تباين المدن خلال الإقامة بها وزيارتها، فقفل عائدا إلى بفاس من جديد، وكان العلم بفاس أكثر من الحصى عند جمرات العقبة، وإن كان الأمر قد اختلط على بعض من أرخوا للجزولي ، فلم يميزوا بين رحلته العلمية الأولى، ورحلته الثانية إلى فاس…. فقد التقى بالإمام المغربي الشيخ زروق أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي صاحب الشروحات المعتمدة عند المالكية في مشارق الأرض ومغاربها، دفين مدينة مصراتة الليبية، فتتلمذ على يده ، ثم أرشده إلى أبي عبد الله محمد أمغار الصغير الشيخ المربي، والمُعين على سلوك الطريق العرفاني .

إلى ذلكــ ، فقد جاء في كتاب “إظهار الكمال في تتميم مناقب سبعة رجال” لمؤلفه عباس ابن ابراهيم المراكشي يرحمه الله ، والمتوفى سنة 1959 للميلاد، وهو كتاب من أهم كتب المناقب التي تناولت حياة وكرامات ومناقب وعلوم سبعة رجال مراكش خصوصا، أن الإمام الجزولي جمع كتابه الشهير “دلائل الخيرات”من كُتب خزانة جامعة القرويين بفاس، وقصد رضي الله عنه فيه، كما قال الشيخ الإمام محمد العربي بن يوسف الفاسي رحمه الله ، جمع المروي من ألفاظ الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، عنه صلى الله عليه وسلم وعن غيره من صحابته وفُضلاء أمته، والاقتداء بهم، والتبرك بأتباعهم، وذلك كله لحُسن نية الجزولي رضي الله عنه .

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.