“أحاديث فيما جرى” مذكرات اليوسفي عن مساراته السياسية

هاسبريس :

تم أمس الخميس 08 مارس الحالي بالرباط تنظيم حفل تكريمي للأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، الوزير الأول الأسبق، بمناسبة صدور كتاب يتضمن شذرات من حياته ومساره النضالي الحافل على مدى ما يقرب من ثمانية عقود من الزمن، وبمناسبة عيد ميلاده الرابع والتسعين.

واستهل هذا الحفل التكريمي، الذي حضره كل من أندري أزولاي وعبد اللطيف المانوني مستشارا صاحب الجلالة وعدد من الوزراء والبرلمانيين والسياسيين وممثلي المجتمع المدني والديبلوماسيين، بالنشيد الوطني للمملكة.

وفي كلمة للسيد عبد الرحمان اليوسفي، قال إن “الأجزاء الثلاثة من الكتاب، التي تجشم  مبارك بودرقة عناء الإشراف عليها بدعم من عدد من الأشخاص، وتتضمنت في جزئها الأول شذرات من مذكراته وسيرته، هي فرصة لتجديد العهد بين الجميع ولتذكير البعض بالقيم الوطنية والدروس النضالية التي عبدتها أجيال من المغاربة، في الدولة والمجتمع، منذ تأسيس الحركة الوطنية في الثلاثينات من القرن الماضي”.

وأضاف اليوسفي أن هذه “هي القيم التي لاتزال تشكل السماد الخصب، لإتمام مشروع بناء مغرب اليوم والغد ، مغرب الحريات والديمقراطية ودولة المؤسسات وأيضا حماية وحدتنا الترابية تحت قيادة عاهل البلاد جلالة الملك محمد السادس حفظه الله”.

وأوضح أن ما تتضمنه الأجزاء الثلاثة من الكتاب هو بعض من خلاصات تجربة سياسية، شاء قدره أن يكون طرفا فيها من مواقع متعددة سواء في زمن مقاومة الاستعمار أو في مرحلة بناء الاستقلال، وسواء من موقع المعارضة أو من موقع المشاركة في الحكومة. وأعرب عن يقينه أن مادة هذه الأجزاء الثلاثة تشكل جزءا من إرث مغربي غني “نعتز أننا جميعا نمتلكه عنوانا عن ثروة حضارية صنعتها أجيال مغربية متلاحقة”، مشيرا إلى أنها ستكون بلا شك مجالا لاشتغال أهل الاختصاص من علماء التاريخ والسياسة والتاريخ والسياسة والقانون والاجتماع، مثلما ستشكل أيضا مادة لتأويلات وتفسيرات إعلامية متعددة.

ووجه اليوسفي رسالة إلى الأجيال الجديدة بالمغرب “التي أدرك جيدا مقدار شغفها بتاريخ وطنها وأيضا مقدار شغفها بمستقبل بلادها”، معربا عن يقينه أنها “تعلم جيدا أن قوة الأمم قد ظلت دوما كامنة في تصالحها مع ماضيها وفي حسن قراءتها لذلك الماضي وذلك الحاضر، حتى يسهل عليها بناء المستقبل بأكبر قدر ممكن من النجاح والتقدم”. وعبر السيد عبد الرحمان البوسفي، في الختام، عن يقينه بأن هذه الأجيال الجديدة “ستحسن صنع ذلك المستقبل ما دامت مستوعبة لكل دروس وقيم ماضينا وحاضرنا، قيم الوطنية وقيم الوفاء والبذل والعطاء”.

وأعرب اليوسفي عن امتنانه لضيوف الحفل من “شخصيات سياسية محترمة جاءت إلينا تقديرا للمغرب والمغاربة في الدولة والمجتمع، ولكل الذين كانوا وراء فكرة تنظيم الحفل، وعلى رأسهم  ادريس جطو ، بل واختيارهم أن يكون ذلك يوم ثامن مارس الذي يصادف يوم ميلاده، وهو التاريخ الذي يصادف الاحتفال باليوم العالمي للمرأة”. مؤكدا أن “النساء والشباب هم الطاقة الكبرى التي ستحقق التحول إيجابيا في مسيرة بلد مثل بلدنا المغرب”.

في سياق مماثل، أفاد مبارك بودرقة، الذي تولى إعداد الكتاب، بأن هذا الأخير تجميع لمداخلات وحوارات ترصد المسار الفكري والسياسي لليوسفي منذ توليه قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعد رحيل رفيق دربه عبد الرحيم بوعبيد، مشيرا إلى “التفاعل مع الإرادة العليا للدولة ليكون المغرب سباقا للانخراط في التجربة الديموقراطية”.

وأكد بودرقة أن عبد الرحمان اليوسفي من المؤمنين بأن الدفاع عن الحاضر والمستقبل يتطلب التعرف على الماضي، مشيرا إلى دعوته لتسمية الشوارع في البلدان المغاربية بأسماء مقاومين أفذاذ من قبيل التونسي حافظ إبراهيم اعتبارا لدوره في تحرير بلدان شمال إفريقيا، مشددا على خصلة الوفاء لدى  اليوسفي لرفاق دربه (ذكرى المهدي بنبركة، أربعينية المفكر محمد عابد الجابري، تكريم الإعلامي الراحل محمد باهي، أربعينية المقاوم محمد سعيد بونعيلات…)، مشيرا إلى العناية الفائقة التي أحاطه به صاحب الجلالة الملك محمد السادس بعد الوعكة الصحية التي ألمت به.

واعتبر المناضل الحقوقي المصري محمد فايق، من جانبه، أن هذا التكريم “هو في حق فارس كبير في الوطن العربي”، وأن لحظة التكريم هذه “تم انتظارها بعد أن توج الكتاب كل أعماله وعطائه الوطني اللامحدود، خاصة وأن اليوسفي لا يتحدث عن نفسه إلا أن بودرقة استطاع أن يخرج ذاكرته إلى النور”.

وأضاف  فايق ، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان بمصر ، أن “معظم الناس يعرفون اليوسفي محاميا بارعا وحقوقيا ، لكن من يعرفه عن قرب يكتشف أكثر من ذلك بكثير ، إذ اتسعت مهامه وامتدت إلى الوطن العربي ككل عبر الحركات التحررية التي دعمها”، وأشار إلى أن اليوسفي ، الذي تعرف عليه سنة 1959 عن طريق المهدي بنبركة، كان “نجما في أفريقيا وفاعلا في كل عمل قومي عربي، ومن أوائل الذين عرفوا معنى حقوق الانسان كقيم لتحقيق العدالة”.

وأفاد بأن اليوسفي شارك في تأسيس المنظمة العربية لحقوق الانسان “فاستفادت الكثير من حكمته وخبراته”، ودافع عن المنظمة إلى غاية حصولها على الصفة الاستشارية في المجلس الاقتصادى والاجتماعى للأمم المتحدة، مضيفا أنه جعل حقوق الانسان ضمن أوليات انشغالاته عندما تولى الوزارة الأولى واهتم اهتماما خاصا بالمرأة وبتحقيق مساواتها مع الرجل ومشاركتها ، وأن المساواة ليست إنصافا للمرأة بل إنصافا للمجتمع ومقياس تقدمه.

ومن جانبه، تحدث فيليبي غونزاليس، رئيس الوزراء الإسباني الأسبق، عن الأستاذ اليوسفي، رفيقه في منظمة الاشتراكية الأممية، موضحا أنه مقاوم كبير من أجل الاستقلال والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والوحدة الترابية لبلاده ، يلح على الحفاظ على الذاكرة من أجل تشييد المستقبل، ويؤمن بما يقول، ويسعى إلى تحقيقه.

وأعرب  غونزاليس ، الأمين العام السابق للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، عن اعتقاده أن الاشتراكية الديموقراطية ما زالت تشكل حلا في ظل الأزمات الكبرى التي يشهدها العالم، مشيرا إلى أنه لا يمكن النجاح إذا تم تعطيل نصف ذكاء المجتمع وقدراته وطاقاته الخلاقة التي تشكلها النساء.

في حين أشار  الأخضر الإبراهيمي الديبلوماسي الجزائري السابق،إلى ماجمعه باليوسفي من آمال وتطلعات مشتركة حول المشروع المغاربي الذي ما زال مطروحا، وقضية فلسطين التي يتعين أن تبقى أم القضايا العربية، مشيرا إلى أن هذا الحفل التكريمي يشكل فرصة لمجموع محبي السيد اليوسفي للالتفاف حوله، وأن لا مناص من مواصلة الحلم والسير على نفس الطريق من أجل تحقيق الأمل المنشود للمنطقة المغاربية المتمثل في بناء صرح مغرب عربي.

واعتبر  الإبراهيمي أن “المغاربة والمغاربيين ينتظرون ماجاء في المجلدات الثلاثة، بعضها معروف وبعضها غير معروف لديهم”، منوها بأجزاء الكتاب التي “تحمل حقائق تاريخية حافلة للمغرب ونضالات الشعوب المغاربية وما تخللها من نجاحات وعثرات “.

كما لم يخف الإبراهيمي اعتزازه بالصداقة التي جمعت بينه وسي عبد الرحمان اليوسفي، وإعجابه بما قدمه وما يستمر في تقديمه للمغرب ولدول المغرب العربي ومجموع البلاد العربية والإفريقية، مشيدا بالخصال التي يتمتع بها المحتفى به المتمثلة في الوفاء، “الوفاء للوطن وللأصدقاء . والوفاء لهدف بناء المغرب العربي الكبير الذي مازال متواصلا”. وأضاف السيد الإبراهيمي أن “الأمل مازال متواصلا من أجل تحقيق هذا الهدف الذي هو من حق الشعوب المغاربية”، وأن “بناء المغرب العربي يستحق النضال والعمل من أجله”، محييا بالمناسبة السيدة هيلين ، رفيقة عمر اليوسفي، وكل النساء في هذا اليوم الذي يحتفل فيه العالم بعيد المرأة.

 

كما تطرق  فتح الله ولعلو  العضو القيادي بحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، والمحلل الإقتصادي المعروف عن الخصال الإنسانية لعبد الرحمان اليوسفي ونضاله الحقوقي المستميت الذي جعل اسمه يرتبط بحقوق الإنسان وباستقلال البلاد ووحدة ترابها وتطورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مشيرا إلى أنه “يشكل أحد أفراد الثالوت المرجعي إلى جانب المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد”.

وأضاف  ولعلو أن هذا الحفل التكريمي يأتي على بعد أيام قليلة من الذكرى العشرين لحكومة التناوب برئاسة السيد اليوسفي، الذي يصادف عيد ميلاده اليوم العالمي للمرأة، والذي تم في عهده التحكيم الملكي السامي الذي أفرز مدونة الأسرة ، وهو ما شكل قفزة كبرى في مجال الإصلاح المجتمعي.

كما تطرق ولعلو إلى الروح الوطنية لليوسفي بدءا من الإسهام في تأسيس الأنوية الأولى للمقاومة وجيش التحرير والتضامن مع الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي إلى الانخراط في بعد حقوق الإنسان قبل توليه منصب رئاسة حكومة التناوب التوافقي.

يشار إلى أن هذا الحفل التكريمي استهل بعرض لصور بعدسة الفنان الفوتوغرافي محمد مرادجي تجسد فترات من تاريخ المغرب تبدو فيها بصمات  عبد الرحمان اليوسفي واضحة.

إلى ذلكــ ، فإن  الثامن من مارس هذه السنة يكتسي صبغة خاصة في المغرب، فهو لا يرتبط فقط بالاحتفال بعيد المرأة، بل أيضا بتقديم مذكرات السياسي المغربي البارز، والوزير الأول السابق، عبد الرحمان اليوسفي.

وللإشارة، فإن مذكرات اليوسفي التي جمعها رفيق دربه، المحامي والسياسي والحقوقي مبارك بودرقة، تحمل عنوان “أحاديث في ما جرى”، وتسلط الضوء على جوانب من حياة الوزير الأول السابق، من طفولته إلى اعتزاله للسياسة، مرورا بمعارضته للنظام وقيادته لحكومة التناوب التوافقي سنة 1998.

“هاسبريس” تطل على مضامين من الكتاب.

1. مع جطو قبيل تشكيل حكومة التناوب

ورد في المذكرات أنه، في بداية 1998، وزير المالية حينها، إدريس جطو، اتصل باليوسفي وأخبره أن الملك الحسن الثاني كلفه بلقائه، بناء على العرض الذي قدمه جطو للملك حول الأوضاع الاقتصادية الراهنة للمغرب، وآفاق المستقبل الذي ينتظر البلاد.

وفي 4 فبراير 1998، استُقبل اليوسفي من قبل الحسن الثاني، وعرض عليه قيادة الحكومة لأربع سنوات، وهذا ما وافق عليه اليوسفي، كما طلب الملك من القيادي الاتحادي أخذ الوقت الكافي لتشكيل حكومته، وعبر عن استعداده للقاء معه كلما دعت الضرورة إلى ذلك.

2. البصري خالف توجيه الحسن الثاني 

يعترف اليوسفي في مذكراته “أحاديث فيما جرى” أنه من الصعب تصوير ما يطلق عليه “جيوب المقاومة” للإصلاح بالمغرب تصويرا دقيقا، لكنه يقول إن “الجميع يدرك أن من تمكن من بناء مصالح أثناء العهود السابقة أو لا يزال، ويرى في التغيير والتجديد تهديدا لمركزه الاقتصادي أو مركزه السياسي، سيكون منخرطا في بنية هذه الجيوب”.

وفي سياق حديثه عن “جيوب المقاومة”، يتحدث اليوسفي عن وزارة الداخلية التي يقول إنها كانت مهيمنة على هندسة الانتخابات في تلك الفترة من تاريخ المغرب.

“منذ اختيار الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نهج النضال الديمقراطي، والمشاركة في جميع الاستحقاقات المحلية والتشريعية، كان إدريس البصري يهيمن على كل ما أطلق عليه ‘أم الوزارات’ أي وزارة الداخلية التي كانت لها اليد الطولى في تزوير الانتخابات، وفي صنع أحزاب إدارية قبل أي استحقاق لتحتل المراتب الأولى فيه”، يردف اليوسفي في مذكراته.

ويشير اليوسفي في المذكرات إلى أنه رغم التعليمات التي أُعطيت للبصري من طرف الحسن الثاني، بعد تعيينه وزيرا أول، بضرورة تقديمه واجب الدعم من أجل إنجاح تجربة حكومة التناوب، إلا أن البصري استمر في السير عكس توجهات الحكومة التي كان يقودها اليوسفي، لأن “الطبع يغلب التطبع”، يقول الوزير الأول السابق.

3. اليوسفي وأجهزة التنصت 

من أبرز التفاصيل التي كشفتها مذكرات عبد الرحمان اليوسفي  لأول مرة، هو تعرض الوزير الأول السابق للتجسس، واكتشافه لعدد من أدوات التنصت في أحد المكاتب التي كان يخصصها لإجراء مفاوضات تشكيل حكومته.

وتتناول المذكرات “أحاديث فيما جرى” هذا الأمر ذاكرة بقلم اليوسفي : “عندما بدأت الاستشارات الأولى لتكوين حكومة التناوب التوافقي، وفر لي الإخوان في الحزب شقة في حي أكدال بالرباط، لعقد اللقاءات الأولى المتعلقة بالمشاورات، بعد ذلك بمدة، سرعان ما سنكتشف أنه تم زرع أجهزة للتجسس، وأخرى لتسجيل محتوى هذه المشاورات داخل الشقة، وبالنتيجة تم التخلي عنها واللجوء إلى أماكن أخرى متعددة لنفس الغرض”.

4. ليلة الرحيل عن الحكومة

جرت الانتخابات التشريعية يوم 27 سبتمبر 2002، وكانت أولى الانتخابات في عهد الملك محمد السادس، وهي الأولى التي تشرف عليها حكومة التناوب التوافقي.

في هذه الانتخابات، احتل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المركز الأول، والتقى بعدها اليوسفي بالملك محمد السادس، وعرض عليه تقديم استقالته من الوزارة الأولى حتى يتمكن الملك من تعيين الوزير الأول الذي سيتولى تدبير المرحلة القادمة، لكن الملك رفض المقترح.

وفي التاسع من أكتوبر 2002، ترأس الملك مجلسا وزاريا بمدينة مراكش، كان هو آخر مجلس وزاري لحكومة التناوب. وبعد المجلس، استقبل الملك اليوسفي، وأخبره أنه قرر تعيين إدريس جطو على رأس الوزارة الأولى.

شكرَ اليوسفي الملك محمد السادس، حسب المذكرات، وأكد له أن دستور 1996 يمنحه حق تعيين من يشاء وزيرا أول، “لكن المنهجية الديمقراطية تقضي بتعيين الوزير الأول من الحزب الذي احتل المرتبة الأولى في عدد المقاعد البرلمانية، كما أسفرت عنها الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهو حزب الاتحاد”.

5. علاقة مستمرة وحبل مودة موصول بالملك 

يؤكد عبد الرحمان اليوسفي في مذكراته “أحاديث فيما جرى”أن حبل التواصل استمر بين الملك واليوسفي، حتى عندما قدم الوزير الأول السابق استقالته واعتزاله نهائيا العمل الحزبي والنشاط السياسي.
“بعث لي جلالته برسالة شخصية عبر فيها عن مشاعره تجاه ما أسديته لبلادي طيلة مساري السياسي”، وأضاف اليوسفي، كاشفا أن الملك محمد السادس كان يستدعيه للمشاركة في أفراح العائلة الملكية، أو بعض اللقاءات الرسمية، وفي بعض الحالات مع عائلته الصغيرة.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.