جاكـ ماجوريل ، فنان عاشق لمراكش، بصم التشكيل وأغنى الطبيعة

محـمـد القـنــور :

خلّف الرسام الفرنسي “جاك ماجوريل” Jacques Majorelle” وراءه بعد رحيله سنة 1962 أثراً رائعاً وبديعاً يتمثل في لوحاته التشكيلية المميزة شكلا ومضمونا من جهة ، والتي أرخت لكل خلجات ولحظات مراكش والمغرب ، بجميع طقوسه وإحتفالياته، وبكل عاداته ويومياته الإجتماعية والإقتصادية والروحية والشعبية، ومن جهة أخرى “حديقة ماجوريل” في مراكش، حيث لا تشكل حديقة تقليدية فحسب، بل إنها نفسها تعتبر لوحة بيئية كبيرة بغنى الطبيعة وفرادة عناصرها ضمن سيمفونية بيئية يمتزج فيها الماء بالأشجار، وتتوحد ضمن معالمها الحضارة المغربية مع درى الطبيعة ، في تراتبية فيحاء  لأكثر من 350 نوعا من النباتات. أتى بها “الفنان العاشق جاكـ ماجوريل” من مختلف القارات الخمس، تؤثتها مجموعة من أشجار النخيل المغربية والإستوائية والمدارية، وتجاورها انواع عديدة من اشجار الصبار و”نباتات الكاكتيس” التي جلبها ماجوريل من أمريكا الجنوبية وآسيا وأفريقيا، فضلا عن أنواع الخيزران والتنوب والقصب وشتى النباتات المائية على غرار أزهار اللوتوس والبردي والزنبق التي تلون الأحواض المائية لهذه الحديقة اللوحة.

كما اختار “ماجوريل ” ألواناً خاصةً بالحديقة لأبنيتها وأثاثها بمستويات معينة حملت فيما بعد اسمه، مثل أزرق ماجوريل، أصفر ماجوريل، وأخضر ماجوريل ضمن ترسانة لونية غير مسبوقة، مما جعلها لوحة حية ومعمارية بأشجارها وأحواضها وألوانها الخلابة جذبت اليها انواعا جميلة من الفراشات والطيور مما زادها روعةً وبهاءاً ، هذا فضلاً عن الاسماك الملونة التي مافتئت تلون احواض الحديقة بألوانها الزاهية. المستوحاة من فكر فنان تشكيلي مميز عشق مراكش حتى النهاية .

فقد ولد “جاك ماجوريل” في مدينة نانسي الفرنسية عام 1886، وتأثر بفن والده “لويس ماجوريل” مصمم الأثاث المشهور  في شبابه، قبل أن يصاب بمرض الربو، فنصحه المقيم العام الفرنسي أيام الحماية الفرنسية على المغرب الماريشال “ليوطي” الذي كان صديقا لعائلته ، بالعيش في مدينة مراكش لجودة مناخها وقلة رطوبته.

وفي سنة  1919 م حل جاك ماجوريل لأول مرة بمراكش، بعدها في عام 1924م إستقر بها نهائيا ، فاقتنى قطعة ارض بها ليقيم عليها دار سكنى له، وحديقة عرفت فيما بعد باسمه، حيث فتحها  أمام الزوار المغاربة والسياح الأجانب في عام 1947م.

وفي عام 1984 عرضت هذه الحديقة اليتيمة والمنسية للبيع، ليقام عليها فندق سياحي ومطعم، وكأن  هذا الاثر الفني والمعماري والبيئي تم الحكم  عليه بالاعدام، وهذا ما حرك غيرة ملك الموضة مصمم الازياء الفرنسي “ايف سان لوران” باقتناءها بالشراكة مع صديقه رجل الاعمال والكاتب “بييار بيرجيه”، ولتصبح هذه الحديقة تحت رعايته بمعية شريكه ، مما أزال عنها آثار التهميش، وأنقدها من الضياع وفتحها للزوار بعد أن أضاف اليها شيئاً من روحه التي تعشق فن العيش وروعة الأناقة ، وفي عام 2004 قام الشريكان “إيف سان لوران” و”بيير برجيه” بتأسيس ” جمعية حماية وإشعاع حديقة ماجوريل” لتتولى ادارة هذا الأثر البيئي الفني ولتسهر على حمايته.

ومهما يكن ، فإن حديقة ماجوريل ليست مكشوفة للملأ، بل تحيط بها أسوار عالية تنكفيء عليها وتحجبها عن الرؤية، وتقع في حي “جليز” بالضبط في زقاق سمي بــ “ايف سان لوران” يقع ما بين شارع علال الفاسي وشارع الأمير مولاي عبد الله بمراكش، ورسم الدخول للحديقة هو خمسون درهماً، (ستة دولارات تقريباً) ورسم الدخول الى المتحف الذي بداخلها بخمسين درهما  أي ما يعادل (خمسة دولارات تقريباً).

ولاتزال تشكل نوعية زوار هذه الحديقة ، نخبة معينة من المغاربة والسياح الأجانب ممن لديهم اهتمام بالطبيعة وعشق للفن، إذ تعتبر هذه الحديقة في حد ذاتها اللوحة، بأحواضها المائية ونباتاتها المتنوعة وأسماكها وأسرا طيورها، ونافوراتها الاندلسية الاسلامية، وأشجارها المميزة والعالمية ونسائمها الوارفة، وألوانها الزرقاء النوعية، وفسيفسائها الاندلسية، مما يترجم روح مصممها المسكونة بعشق التراث المغربي .

وفي حياته أوصى “إيف سان لوران” مالكـ الحدبقة الجديد بعد ماجوريل، بنثر رماد رفاته بين أشجار هذه الحديقة التي كانت مصدر الهامه في التصاميم، وفعلاً بعد موته قام اصدقاؤه بتنفيذ وصيته وليتحول هذا الاثر الفني الى أشبه بضريح له! مما أدى الى زيادة عدد الزائرين بشكل ملحوظ، حيث صار يصل  عددهم اليوم الى أكثر من ست مائة ألف زائر سنوياً!

الذي يميز هذا الأثر الفني هو التصميم الاسلامي البديع: بطراز مبانيه، وزخرفة فسيفسائه، ونافوراته، الذي وُضِعَ فيه النَفَس الغربي ببصمات هذا الرسام المبدع! وحكمة المغاربة هي التي حافظت على خصوصية البلد وجعلت هذا المعلم لا يحيد عن الطراز الاسلامي.

ومع أن الأوربيين يمتلكون حدائق في غاية من الروعة والجمال، فإنهم يتكلفون عناء السفر ويأتون الى المدينة الحمراء لمعاينة أثر الفنان المبدع “جاك ماجوريل” وكذلك معاينة مصدر إلهام ملك الموضة “إيف سان لوران” وزيارة ضريحه الذي احتوى رماد جثمانه.

إلى ذلكــ ، شكل المغرب عبر التاريخ فضاء جذب للكثير من طرف الوافدين عليه من المؤرخين والباحثين والمستشرقين والفنانين من مختلف الفنون التعبيرية والتشكيلية، كمحطة انطلاق ، وكمصدر إلهام، وكحقل لإغناء التجارب ، وكتيمة للإبداعات .

ولقد تميز ماجوريل برؤية تشكيلية خالية من كل التأثيرات الكلاسيكية والرومانسية ، مفضلا اللمسات التشكيلية الحية القريبة من “فطرية” “هنري روسو” و إشراقات نوافذ “هنري ماتيس”، وتلكـ الأشكال البسيطة والمواضيع الأصيلة كما كان يطرحها “بول غوغان” ومعظم الإنطباعيين من أمثال “رينوار” Renoir و”سيسلي” Sissly و”ديكا”Degas و”مونيه” Monet وغيرهم .
فقد اكتشف ماجوريل سحر الشرق وعذوبته ، أثناء زيارته لمصر والنيل سنة 1910 رغم أنه لم يقتنع به، فوجد ضالته في مراكش بعدما تجول في معظم بلدان الشرق ، وكان لمراكش أن أكسبته نظرة جديدة خالية من كل أحلام المستشرقين، ليستقر في “جليز” المدينة الحديثة بمراكش معقل الطبقة البرجوازية الفرنسية.
فقد حل جاك ماجوريل لأول مرة بمراكشفي سنة 1919، حيث وجد السحر الملائم ليواصل مهنته كرسام. ثم عاد إليها عام 1924 ليقتني قطعة أرضية أنشأ عليها الحديقة المعروفة اليوم بإسمه “حديقة ماجوريل”، والتي تم إفتتاحها  عام 1947 لاستقبال الزوار .

ولقد استطاع ماجوريل، بفضل عشقه لجمالية مدينة مراكش العتيقة بأسواقها، ورياضاتها، ومساجدها، وبيوتها القديمة، وأسوارها، أن يترجم في لوحاته مفاتن ضوءها وألوان وإيحاءات الحياة اليومية بها، وتلكـ الفرادة الأصيلة التي تميز جنوب المغرب، فكان يسافر بعشقه بين أحضان القرى الأمازيغية الأطلسية مشدوها بهندستها  وبتلكـ القصور والدواوير والبراري والقصبات، التي أسرته وألهمته أروع اللوحات ، وملكـت عله حيزا كبيرا من اهتماماته وأغنت تجربته التشكيلية، في وقت كان بإمكانه أن يقتصر على الحياة البرجوازية الباريسية التي كانت تحيط به .

وتؤكد معظم الدراسات النقدية حول التجربة التشكيلية للفنان الفرنسي “جاكـ ماجوريل” أن المارشال ليوطي القيم العام الفرنسي بالمغرب آنذاكـ ، كان يعشق لوحاته، وأنه كان متيما بلوحته “القصبة الحمراء”، والتي وصل سعرها في مزاد علني بــ “صالة العرض كريستي” لأزيد من مليون أورو، لم تتميز به من قيمة فنية، ولما تتضمنه من حس سوسيو تاريخي وثقافي مغربي أصيل ، فقد أبدعها “جاكـ ماجوريل” عام 1921، حتى أنها اختيرت عام 1923 لتكون غلاف الدليل السياحي لمراكش، وهو ما جعلها تحتل مكانة كبيرة في قلوب وخيال المغاربة وعشاق الفن التشكيلي بشتى ربوع العالم، ممن ينظرون إليها كأيقونة فنية للمغرب، لدرجة أن هذه اللوحة  لم تعرض سوى مرة واحدة في عام 1924.

وعلى إثر تعرض “الفنان جاكـ ماجوريل” لحادثة سير خطيرة في سنة 1962، عاد إلى فرنسا مريضا ، حيث لفظ آخر أنفاسه.
وبالإضافة  إلى انشغال “جاك ماجوريل” بالرسم، فقد كان  يقوم بإعداد وتهيئة ملصقات دعائية و”أفيشات” تروم دعم السياحة في المغرب، كما شارك في تصميم ديكور فندق “المامونية” العالمي بمراكش.
وبين سنتي 1945 و1952، قاد ماجوريل عشقه للجنوب، وشغفه بالضوء إلى اكتشاف إفريقيا السوداء عبر رحلاته إلى مالي، وغينيا، والكوت ديفوار، والنيجر، والسنغال ، حيث أبدع مجموعة لوحات كشفت عن دلالات فنية غنية، وترجمت تمايزات مثيرة على مستوى القيم واللون والأطياف، واستطاعت أن تثبت مدى حنكة ماجوريل على مستوى إتقانه للتقنيات المستعملة وإختياره للمواضيع التشكيلية ، فبعد  كل جولة  في قرى المغرب ودشوره وجباله وقلاعه ووديانه وسهوله ، وبعد كل رحلة في أعماقه الشعبية وإحتفالاته المورقة كان جاك ماجوريل يعود دائما إلى إقامته الرئيسية في الحديقة المعنية ، التي بناها سنة 1924، بجانب النخيل بمراكش، ليخلد ما رآه باللون والضوء والحركة، إذ  تواترت الإلهامات في مخيلة “ماجوريل” وظل ملهما لآخرين حنى بعد وفاته، وإلى الفترة الحالية بعد أن عمد “إيف سان لوران”، مصمم الأزياء العالمي الراحل على إستلهام تصاميمه وأزيائه من لوحات ورحلات ماجوريل في المغرب العميق وعبر مناطق إفريقيا السوداء، فخصص بذات الحديقة لأزيائه رواقا حمل اسم الحلم الإفريقي، وبات يضم نماذج متنوعة من الأزياء الإفريقية المستمدة من مختلف دول القارة التي زارها كل من إيف سان لوران، وهو يتتبع خطوات “ماجوريل” .

وطبيعي، فقد كان إيف سان لوران، حسب تصريحات شريكه بيير بيرجي، دائما يقر بتأثير المغرب على إبداعات ماجوريل،وعلى تصاميمه هو بنفسه، إذ لم تغب عنه ألوان وغنى التراث المغربي في مراكش، وحيث اكتشف لون وجاذبية المغرب، الذي أثر فيه طيلة حياته، مؤكدا أن ماجوريل ، الذي افتتن بالمغرب، منذ وصوله إليه سنة 1919، عرف كيف يستلهم أعماله من الألوان الزاهية المستوحاة من العادات المحلية المغربية والإفريقية.

وللإشارة، ففي سنة 1931، قام المهندس المعماري، بول سينوار، بإنشاء الورشة الزرقاء، التي أصبحت مقرا لمتحف الفن الإسلامي داخل حديقة “ماجوريل” في مراكش، بعدها تم إفتتاح  متحف إيف سان لوران خلال قبل شهور قرب حديقة “ماجوريل” في مراكش.

 

 

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.