مديحة يسري، وداعا “فتاة النيل” وسمراء الشاشة العربية

هاسبريس :

توفيت الممثلة المصرية مديحة يسري الملقبة ”سمراء الشاشة“ أمس الثلاثاء 29 ماي الحالي عن عمر ناهز 97 عاما بعد مشوار فني سينمائي متألق لأكثر من ستة عقود.، وأنفقت  الممثلة المخضرمة التي عاصرت كبار الشاشة الكبيرة العربية سنوات عمرها الأخيرة تتنقل فوق كرسي متحرك إلى أن ضعفت صحتها ولزمت فراش المرض ، قبل أن تلبي نداء ربها  في مستشفى المعادي العسكري بالعاصمة المصرية .

هذا، وقد إزدادت الفنانة الراحلة مديحة يسري، وإسمها الحقيقي  هنومة حبيب خليل سنة  1921 وبدأت رحلتها مع السينما بمشهد صامت في فيلم “ممنوع الحب” من بطولة الموسيقار محمد عبد الوهاب عام 1942 قبل أن تحصل على فرصتها الأولى في فيلم “أحلام الشباب” أمام فريد الأطرش والفنانة الراقصة الممثلة الراحلة تحية كاريوكا.

كما قدمت على مدى مشوارها أكثر من 90 فيلما بعضها من كلاسيكيات السينما المصرية مثل (أمير الانتقام) و(حياة أو موت) و(الخطايا) و(لا تسألني من أنا) و(لحن الخلود) و(أيوب)و(بنات حواء)و(إني راحلة) وكان آخر ظهور سينمائي للراحلة مديحة يسري  في فيلم (الإرهابي) عام 1994 أمام نجم الكوميديا عادل إمام، حيث تقمصت دور أم العائلة التي تأوي عدل إمام كإرهابي عرف حجم خطيئته بإنضمامه لشبكة متطرفة .

صنفت بجدارة من بين أجمل 10 نساء في العالم، وفقاً لمجلة “التايم” الأمريكية، تلك التي قال عنها زوجها الأول محمد أمين: “نظرة واحدة من مديحة يسري كفيلة بجعل أي رجل في حالة هذيان”فقد كانت كما وصفتها الصحافة المصرية “سمراء النيل”، والفتاة ذات الجمال الأصيل، حيث نشأت وسط مجتمع وفي كنف عصر كان ينظر فيه للفن على أنه “سبة”، إلى الحد الذي كانت ترفض فيه شهادة “المشخصاتي” الذي أطلق عليه فيما بعد اسم “الممثل”، أمام القضاء. وكانت أسرتها ضمن المجتمع الذي رفض عمل أبناء العائلات في الفن، إلا أن هنومة كانت مشبعة حتى أطراف قدميها بالموهبة الفنية، فأصرت على إشباعها بدءاً من مدرسة التطريز بحي شبرا الشعبي، التي مارست فيها الرسم وكثيراً ما نالت استحسان مدرساتها وإعجابهن برسوماتها ولوحاتها.

و لم يكن إصرار مديحة يسري يقل عن جمالها؛ إذ ظلت محاولاتها المثابرة لدخول مجال الفن، حتى شاء حظها أن يراها مصادفة المخرج محمد كريم، فيجذبه جمال عينيها ويمنحها دوراً صغيراً في فيلم “ممنوع الحب” لمحمد عبد الوهاب في عام 1940. وعلى الرغم من أنها لم تظهر فيه سوى لثوانٍ معدودة، إلا أن تلك الثواني كانت كفيلة بتغيير مجرى حياتها؛ لأنها شعرت أن الفن هو الطريق الوحيد الذي يمكنها السير فيه رغم تأخر أدوار البطولة لمدة عامين كاملين. وفي عام 1942 عرض عليها المخرج كمال سليم دور البطولة في فيلم “أحلام الشباب” مع الفنان فريد الأطرش.

كما كانت الراحلة تتمتع بالذكاء إلى جانب الموهبة؛ ففي أول دور بطولة لها في فيلم لفريد الأطرش، ولعلمها بما يمكن أن تكون عليه ردة فعل والدها، طلبت من شركة “أفلام النيل للإنتاج والتوزيع″ أن تضع شرطاً جزائياً في العقد الخاص بها يتضمن أن تدفع مديحة أموالاً ضخمة في حالة اعتذارها عن العمل. وعندما علم الأب وطلب منها إلغاء تعاقدها طالبته شركة الإنتاج بدفع قيمة الشرط الجزائي، فلم يكن أمامه إلا الرضوخ لرغبة ابنته.

ومهما يكن ، فإن الراحلة مديحة يسري ظلت نجمة شباك السينما المصرية طيلة الخمسينيات بأعمال مع كبار مخرجي تلك الفترة ومن بينها “أمير الانتقام” و”لحن الخلود” مع المخرج هنري بركات، و”من أين لك هذا” للمخرج نيازي مصطفى، وفيلم “مؤامرة” و”أرض الأحلام” للمخرج كمال الشيخ، و”إني راحلة” لعز الدين ذو الفقار، والذي يعد من روائع الأفلام الرومانسية في السينما المصرية.

وقد كتبت عنها زميلتها الممثلة زينب صدقي في إحدى المجلات الفنية تقول: “من ينظر إلى وجهها للوهلة الأولى يحسبها شخصية حزينة هادئة، لكنها في الحقيقة تميل إلى الفرح والفكاهة، فضلاً عن كونها تملك طاقة كبيرة من الثورة والطموح، هي شخصية عربية أصيلة، و(كوكتيل) جميل لفضائل العرب في كأس جذاب يغري بالشرب”.

كما كان فيلمها الشهير “الأفوكاتو مديحة” واحد من أهم وجوهها الحقيقية، أكدت على دور المرأة في المجتمع، وأدت دوراً شبيهاً لهذا الدور في الحياة العامة، حينما تم اختيارها ضمن المعينين في مجلس الشورى، تقديراً لدورها في الحياة الفنية والتزامها على المستوى الإنساني

ورغم جمالها وقوة شخصيتها وثقافتها المتنوعة ، فقد كانت مديحة يسري من أكثر الزوجات اللاتي عانين من الخيانة، حيث تزوجت 5 مرات، 3 منها كانت من الوسط الفني، وكان أولها عند زواجها من المطرب والملحن محمد أمين، أثمر زواجهما عن تأسيسهما لشركة إنتاج سينمائي وأنتجا خلال 4 سنوات، هي عمر زواجهما، العديد من الأفلام مثل “أحلام الحب” و”غرام بدوية”، و”الجنس اللطيف”. وبعد انفصالهما تزوجت مديحة يسري من الفنان أحمد سالم عام 1946، ولكنها زيجة لم تستمر طويلاً؛ حيث وقع الانفصال لتتزوج من الفنان محمد فوزي واشتركت معه في بطولة العديد من الأفلام، وقد أثمر زواجهما عن ابنهما عمرو الذي توفي في حادث سيارة. أما آخر زيجاتها فكانت من الشيخ إبراهيم سلامة الراضي، شيخ مشايخ الحامدية الشاذلية الصوفية، ولم يكن تعدد زيجات مديحة يسري بيدها؛ فقد كشفت أن أزواجها أقدموا على خيانتها، وكان ذلك هو سبب انفصالها عنهم.

كما أن مديحة يسري الفتاة التي نُشرت صورتها في إحدى المجلات عام 1939 كأحد الوجوه الجديدة، هي ذاتها معشوقة الراحل عباس محمود العقاد، فقد تعلق بها فؤاد الأديب الكبير منذ رؤيته للصورة، فدعاها إلى حضور صالوناته الأدبية الأسبوعية وأغدق عليها بعطائه الفكري والأدبي بشكل فتح أمامها أبواب العلم والمعرفة، حتى إن الأديب الكبير العقاد الذي كان معروفا بعزوفه عن الزواج، وقع في حب تلك الفتاة التي لم يكن عمرها قد تجاوز العشرين، بينما هو في الخمسين من عمره.

ورغم رحيل الفنانة مديحة يسري فإن جمالها وطبيعة شخصيتها يصعب نسيانهما؛ إذ سرعان ما حدث ما كان يخشاه العقاد، وتزوجت وأصبحت نجمة مشهورة، لكنه لم يستطع إلا أن ينجرف في حبه، فلا هو قادر على أن ينساها، ولا قادر على أن يتقبل وضعها الجديد، ويرضى أن يكون واحداً من المعجبين، فاهتدى إلى فكرة عجيبة يرويها تلميذه وصديقه الفنان صلاح طاهر قائلاً: “ذات مرة كنت مع الأستاذ العقاد في شقته، ودخلت غرفة لأتحدث في الهاتف، فناداني العقاد بلهفة: يا صلاح.. تعالى لا تتصل الآن، ورجعت إليه فوجدت الدموع في عينيه، فأخبرني أنه ينتظر على أمل أن تتصل به محبوبته الممثلة التي قاطعها منذ أربعة شهور، ووجدت مدى تأثُره بفراقها على رغم قدرته الخارقة على التحمل والكتمان وتناقشنا في كيفية نسيانها”. ومضى طاهر قائلاً: واقترح عليّ أن أرسم لوحة فنية عبارة عن تورتة شهية جداً وقد تهافت عليها الذباب، وبالفعل أنجزتُ اللوحة المطلوبة ووضعها العقاد على الحائط مقابل سرير نومه، وكلما استيقظ رأى اللوحة التي ساعدته على النسيان”.

كما كانت هشاشة العظام عدو حياتها الأول؛ حيث أصابتها بالعمود الفقري في مرحلة من عمرها ونجت من الشلل بالعلاج بالخارج، لكن الفنانة الجميلة ترقد حالياً في أحد مستشفيات القاهرة، بحالة حرجة نال منها تقدم السن “95 عاماً”، بينما صورتها في أذهان محبيها من المحيط للخليج لم تزل باقية بكامل جمالها.

 

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.