عبد الله الشلِيَّح : في ذكرى حقوقي سكنتْهُ دلائل الملحون التليدة

محمـــد القـنــور :

عدسة : محمد أيت يحي :

بشراكة مع مجلس جهة مراكش آسفي وبدعم من وزارة الثقافة والاتصال والمجلس الجماعي لمراكش،نظمت جمعية عبد الله الشليح لهواة الملحون مساء اليوم الجمعة الفارط بمسرح دار الثقافة الداوديات بمراكش ، حفلا موسيقيا تراثيا في طرب الملحون، وجاء هذا الحفل  في إطار فعاليات الدورة الثالثة للمهرجان الجهوي للملحون والفنون الشعبية ضمن دورة الشيخ امحمد البوعمري المراكشي أحد شيوخ الملحون الكبار .

في المقابل كانت مجموعة من الفعاليات الثقافية والفنية الوطنية والجهوية بجهة مراكش آسفي، قد أحيَتْ الذكرى الأربعين لرحيل الأستاذ القيدوم عبد الله الشليح المحامي بهئية مراكش والرئيس المؤسس لجمعية هواة الملحون، بعدما وافته المنية بمنزله بعرصة السباعية، في شارع عبد الكريم الخطابي بحي جليز، في مدينة مراكش..

وبهذه المناسبة تـُجددُ جريدة “هاسبريس” احر التعازي وأصدق المواساة الى عائلةة الراحل وكافة افراد اسرته،وأرحامه وتلامذته وأصدقائه سائلين العلي القدير أن ينزل على الفقيد شآبيب رحمته الواسعة ويسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين وان يلهم ذويه جميل الصبر والسلوان ويرزقهم أحسن العزاء.
فقد ولد الراحل الأستاذ عبد الله الشليح بحي “زاوية لحضر”في مدينة مراكش، فيي يوليوز 1931، في أحضان أسرة عريقة ، امتزج في دمائها النسب الأمازيغي بالعربي. فكان بيت الشليح الأب وبوركية الأم بيت أصيل مشهود له بالصلاح والورع والتقوى والوطنية والفضل والكرامة.
وقد تلقى الأستاذ القيدوم عبد الله الشليح تعليمه الأولي على يد الفقيه العلامة مولاي سعيدد ، حيث حفظ القرآن الكريم ،وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، قبل أن يلتحق بجامعة ابن يوسف ليتطلع على علوم الشريعة الإسلامية،من قرأن وحديث ومصطلح للحديث ونحو وبلاغة وتصريف وإعراب من خلال إنكبابه على أمهات المتون ، وملازمة شيوخها ما بين 1947 و1957، ليتابع دراسته فيها على مدى عشر سنوات.
كما التحق بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط سنة 1957، ليكونن ضمن أول فوج تخرج من هذه المؤسسة، سنة 1960، وهو الفوج الذي حظي باستقبال من طرف الملك الراحل محمد الخامس، والذي أطلق على هذا الفوج «فوج محمد الخامس».
ثم بعد سنتين حصل على شهادة الدراسات العليا في القانون المدني، ليتحمل مسؤوليةة القسم العربي بخزانة نفس المؤسسة التي تخرج منها، على مدى سنتي 1961 و1962، قبل أن يمارس التدريس، حيث لقن الطلبة المدخل لدراسة القانون بكليات البيضاء والرباط وفاس، والقانون الاجتماعي والدولي الخاص بمراكش. وتخرج على يديه ثلة من الطلبة والطالبات في أسلاك مختلفة في المعرفة القانونية، فكان له الفضل على كثير من المحامين ورجال القضاء من خلال الدفاع عن القوانين المغربية ، وبيان منطلقاتها الفقهية والشرعية والإجتماعية المغربية .
وكان الأستاذ الراحل عبد الله الشليح قد حظي بشرف التأطير التربوي في كلية الحقوقق بمراكش، بعد أن عمل بجامعات وطنية ككليتي الحقوق بالرباط و الدارالبيضاء، إلى أن التحق بكلية الحقوق بمراكش مؤسسا فيها تخصص الكفاءات لأول مرة سنة 1962 مما ساهم في تخريج عدد من رجالات القضاء والمحامين في مدينة مراكش. كما مارس هو نفسه مهنة المحاماة منذ 1964، فكان المحامي النجيب الفصيح العارف بآليات القانون المقارن، وبتطورات مناحي المجتمع المغربي، من خلال شهادات أبناء رعيله من المحامين الكبار بالمغرب، وإجماعهم على حنكته وخبرته الطويلة في حماية الحق والقانون والدفاع عنهما، واحترام أسرة القضاء وتقديرها في مرافعاته الرصينة، وتواضعه وعزوفه عن الشهرة والظهور .
إلى ذلك ، فقد خاض الشليح غمار العمل السياسي، فكان من أبرز مناضلي حزبب الشورى والاستقلال،الذي أسسه الزعيم الراحل محمد بلحسن الوزاني، كما مارس الصحافة بجريدة «الرأي العام» في سنوات الخمسينات، موازاة مع إشتغاله كقائد ثم مندوب في منظمة الكشفية المغربية الإسلامية بمراكش، خلال الفترة ما بين 1950 و1962، مكنته من تمثيل المغرب في المؤتمر الكشفي العربي بالإسكندرية عام 1956.

وبعيدا عن قاعات المحاكم ومجلدات التصنيفات الأدبية والشعرية، ومدرجات الكليات، فقدد كان الأستاذ عبد الله الشليح فاعلا جمعويا نشيطا في عدد من الجمعيات الوطنية، حيث شغل منصب كاتب عام لجمعية «الوعي» بمراكش، من 1965 إلى 1982، ورئيسا لــ “رابطة العمل لجمعيات الشباب” بمراكش في الستينات، ومستشارا ب”الجمعية الخيرية الإسلامية” منذ 1979، ومستشارا قضائيا بمؤسسة «دار البر والإحسان» منذ 1987، ورئيسا لتعاونية الحمراء للاستهلاك التابعة لجامعة القاضي عياض، وعضوا بالفرع المحلي للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، وكاتبا عاما لفرع «الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني، التي كانت تعقد لقاءاتها في مكتبه الخاص بالمحاماة.
وفي سنة 1974 ترأس جمعية «هواة الملحون» بمراكش، فدافع عن تدريس الملحونن بالمعاهد الموسيقية بالمملكة، كما ساهم في تنظيم أول مؤتمر وطني لرجال الملحون بمراكش في ماي 1970. هذه الخلفية الفنية، جعلت الأستاذ عبد الله الشليح يساهم في توجيه عدد كبير من طلبة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش وكليات أخرى، ممن تفرغوا في إطار بحوثهم الجامعية للأدب الشعبي بصفة عامة وفن الملحون خاصة، فكانت خزانته الخاصة تكمل دور خزانات الكليات في هذا الباب، موجها ومؤطرا، فكان له فيها الشكر والثناء والعرفان.
ويعتبر الراحل الأستاذ عبد الله الشليح من الرواد الذين منحوا جمعية «هواة الملحون»،، التي تأسست سنة 1964،إشعاعا مستمرا، ولاتزال تقيم تجمعها في منازل من المنازل كل يوم جمعة، حاملا على عاتقه استمرار هذه السنة الحميدة. ولع الأستاذ عبد الله الشليح بالملحون لم يقف عند هذه التضحية التي تبدو للبعض بسيطة، لكن أن تمنح هذه «الجوهرة الحمراء» مبلغا ماليا لكل شاب حفظ قصيدة من فن الملحون يبدو أنه «جهاد» بالمال بعد النفس. تضحيات هذا الرجل الشهم لم تقتصر على هذا البذل، فقد كان يتحول مكتبه للمحاماة بالقنارية قبل أن يصير بشارع محمد السادس، قاعة انتظار يقصدها كل من يعدم وسيلة للنقل إلى منزل الحفل، حيث يأخذهم بسيارته، وأحيانا كان يعود لأخذ فوج آخر دون ملل، ويتكرر هذا المشهد عند نهاية الحفل، فيوصل البعض إلى الداوديات والبعض إلى باب أيلان، والبعض الآخر إلى الزاوية.
إلى ذلكــ ، يعتبرالأستاذ الراحل عبد الله الشليح أديبا و لغويا ، مالكا لناصية فنون القولل والتعبير، ومتون اللغة العربية، وأشعارها وآدابها، ومراجعها ، حيث يعتبر إلى جانب القيدوم الأستاذ عبد الرحمان الملحوني ، رئيس “جمعية الشيخ الجيلالي أمثيرد” ، أمد الله في حياته، باحثا لا يشق له غبار في التراث المغربي الأصيل ، ومكنونات الأدب الشعبي، والمشاركة في توثيق نظم الملحون .
هـــذا، وكان الأستاذ الراحل عبد الله الشليح قد أحيل على التقاعد في شتنبر 1992 بعدد أن قضى في حقل التدريس والتكوين سنوات، كلها تفان وعمل أهلته لأن يمنحه الملك الراحل الحسن الثاني وسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الممتازة بتاريخ 3 مارس 1992، وهو اليوم يزاول مهنة لا تقل عن التدريس شرفا، ألا وهي المحاماة.
ويعتبر القيدوم عبد الله الشليح من رجالات مدينة مراكش، ومن كبار المثقفين المغاربة ممن أنجبتهم مدينة مراكش، ومن صناع الحركة الثقافية بالمدينة الحمراء
وقد تم تكريم القيدوم الراحل عبد الله الشليح الذي اجتمع فيه ما تفرق في غيره، من خلال مشاركته في أكثر من مجال علمي وثقافي وفني إشعاعي، إذ يشهد له مساره ونهج سيرته ورفاق دربه بالعطاء في مجالات المساهمة في الحفاظ على التراث المغربي الأصيل والدفاع عن الفن الوطني، بالإضافة إلى تجربته الحقوقية والقانونية من خلال ممارسته المحاماة، و جهوده في العمل الجمعوي، وممارسته للصحافة، والتعليم، والسياسة… وقد تميز الفقيد بوطنيته الصادقة ودماثة أخلاقه ،وتواضعه وأناقته وعرف ببداهته وعفويته وأحاديثه الشيقة والمثمرة .
فــرحم الله الأستاذ القيدوم ، المحامي الباحث، والرائد الجمعوي والدارس المنقب فيي التراث المغربي .

ولله ما أعطى ولله ما أخد ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.