الكتبية : تألق منارة صمدت أمام غضب الطبيعة وإهمال الإنسان

مـحـمــد الـقـنـور :

إنها صورة للباحة الجانبية اليمنى لمسجد وصومعة الكتبية بمراكش سنة 1915،من زاوية مقبرة سيدي علي بن قاسم المجاورة وتعكس الصورة بقايا أكثر من قصر الحجر المرابطي، وفي الأفق تبدو بنايات دور القايد الورزازي والقايد المتوكي بحي “فحل الزفريتي” والذي يحمل إسم وزير السعديين الأكبر ، كما يبرز من خلالها غياب مطلق للفضاءات الخضراء .
ومهما يكن، فقد كان جامع الكتبية يتوسط حي سكني يسمى بحي الكتبيين ، الذي كان يحفل بدكاكين الكتبيين وحوانيت الخطاطين وناسخي الكتب والباعة المتخصصين في تجارة المؤلفات والمخطوطات والرزنامات والجداول الفلكية واللغوية والفقهية والمتون خلال الفترات الموحدية والمرينية والوطاسية تجاوزا والسعدية إلى فترة القرن التاسع عشر الميلادي، غير أن هذا الحي تداعى وإنهدم بفعل زلزال لشبونة الكبير وقع في 1 نوفمبر من سنة 1755، والذي كان له أثر كبير على مدينة مراكش، لتموقعها على نفس خط الحركة التكتونية مع المدينة البرتغالية .
وطبيعي، فقد كان زلزال لشبونة عام 1755 ويسمى بالزلزال الكبيرفي يوم عطلة عيد جميع القديسين، وإعتبر من أكثر الزلازل فتكا وتدميرا في تاريخ البشرية ، فقد أودى بحياة مابين بين 60،000 و 100،000 إنسان، وبقي عدد الضحايا غير دقيق لضعف الإمكانات الإحصائية آنذاكـ ، وقد أعقب هذا الزلزال بعد دقائق عن وقوعه آنذاكـ ، موجة تسونامي وثم تلته حرائق، مما أدى إلى تدمير شبه كامل لمدينة لشبونة ، مما أدى كذلك لزيادة التوترات السياسية في البرتغال وتخريب قوي لأطماع البرتغال الاستعمارية في القرن الثامن عشر، وإنعكس على مدن إهتزت قليلا أو كثيرا بسببه خارج البرتغال، كان من ضمنها مراكش، فإنمحى حي الكتبيين لذلكـ ، وتهدمت صومعة جامع إبن يوسف المتواجدة أطلالها بالصحن الغربي لمسجد بن يوسف، فقام السلطان العلوي المولى سليمان ببناء الصومعة الجديدة التي لاتزال قائمة إلى اليوم .
وعودة إلى زلزال لشبونة المدمرلسنة 1755 ، فقد ناقش فلاسفة عصر التنوير في أوروبا، من أمثال “ديدرو” و”روسو” و”سبنسر” و”هيوم” وغيرهم زلزال لشبونة على نطاق واسع من الطروحات الفلسفية والعلمية الجيولوجية وحتى الأدبية ضمن إشارات تضمنتها المسرحيات والقصائد والروايات لاحقا، فكان من حسنات هذا الزلزال، وإن كنتُ أستبعد الحسنات عن الزلازل وكل الكوارث ، أن ألهم أليات ومناهج لتطورات عقلانية حتى في الفلسفة الدينية المسيحية، وأسس للإرهاصات الأولى في علم الزلازل الحديث، مع ريختر وغير ريختر من العلماء ممن تخصصوا في الزلازل ومسارات التحركات التكتونية وطبيعة الصفائح الجيولوجية ..

 

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.