مابين المغرب والمشرق : حدائق تروي التاريخ وتترجم الحضارة

مـحـمـد الـقـنـور :

عــدســة : مـحـمـد أيت يـحـي :

 

اهتم المهندس المعماري المغربي بتخطيط الفناء الداخلي وجعله كحديقة داخلية (جنة مصغرة) لأنه يمثل محور النشاط الرئيسي في المساكن والمباني المغربية خصوصا، والإسلامية عموما ، وهو معالجة معمارية تحجب عن الساكن كل عوامل الطبيعة الخارجية وتترك له التمتع المطلق بالسماء وحدها ، وهو استجابة صريحة لمقتضيات مناخنا ، فهو يضمن ميزات عديدة منها : خلق مناخ محلي يحقق انخفاضاً في درجة الحرارة وتهوية جيدة بدون تلوث ، كما أنه يضمن الإنارة السليمة والهدوء والخصوصية ، والعلاقة الجيدة بين الداخل والخارج عن طريق الفناء ، وما يمكن إدخاله من نباتات مختلفة ومياه كالنافورات والبرك .

ويأتي انخفاض درجة الحرارة داخل الفناء نتيجة الظلال الناتجة عن تقابل أضلاع الفناء والأشجار ووجود المسطحات المائية التي ينتج عنها تبخير يقابله خفض في الحرارة وانعكاس جزء من الأشعة ، ويبقى للأروقة دورها الهام في تعديل الحرارة ، فضلاً عن دور الملاقف في تكييف الهواء ، لأن الهواء يصطدم بالحائط الداخلي للملقف ، مكوناً منطقة ضغط مرتفع ، يبرد فيها الهواء ، وحيث أن الهواء البارد ذو كثافة عالية ، فإنه يهبط إلى القاعات والفناءات . كما استعملت أشجار النخيل وغيرها بجوار الملاقف العلوية لتنظيف الهواء وتلطيفه ، فالأتربة تعلق على الأوراق ، كما تصدر الشجرة الأكسجين وتنظم حالة الرطوبة والحرارة في الجو وتمتص الروائح المؤذية .

إذاً لم تكن البنية المائية أو البنية النباتية أقل أهمية من البنية المعمارية ، إذ أظهرت البنية المائية رمزاً كونياً وإعجازا هندسياً في نقل الماء من مصادره المختلفة إلى تشكيلات حجرية من برك وأحواض بأشكال عديدة لتحقيق غايات بيئية وجمالية من خلال عقيدة تكفل صحة الماء من التلوث ، وعدم افتقاره إلى عنصر الأوكسجين .

أما البنية النباتية فكانت أكثر تعقيداً بسبب تعددية الأنواع والأشكال التي تعامل معها رجل الحديقة العربي باستعمال المقص لتشكيل ما يمكن تشكيله لتكون بديلاً عن ثلة من تماثيل حجرية كانت سائدة في حدائق قديمة ، وأخيراً وظف رجل الحديقة العربي كل ما يملك في جعل الحديقة قطعة من الجمال ، فزرع فيها الأسوار والمشايات والمقاعد والشرفات ، وماشابه ، بل استطاع أن يجعل الحديقة في الدار أو القصر أو الجامع ، أو يجعل الدار أو القصر أو الجامع في الحديقة ، بالإضافة إلى أنه جعل الحديقة في الطبيعة أو جعل الطبيعة في الحديقة من خلال احترام فطري للبيئة ، فتعددت الوحدات البيئية ذات المساحة الجغرافية المختلفة خدمة للإنسان العربي أو للإنسانية جمعاء .

نماذج للحدائق في الحضارة الإسلامية 

لم تخل حاضرة من حواضر الإسلام في المغرب ولا في المشرق من الحدائق الرائعة التي تميز بها الحس المعماري الإسلامي.. منها ما كان في الأندلس والمغرب وبلاد الأناضول والشام وفارس ومصر وسمرقند وتونس واليمن وعُمان والهند وغيرها…

فالحدائق في الأندلس وفي المغرب ظل يُطلق عليها  الحدائق الأندلسية، وظلت تعتبر همزة الوصل البيئية والإيكولوجية والحضارية ما بين أوربا وما بين الشرق الأوسط خلال العصور التاريخية القديمة لذا فهي جمعت ما بين الحضارة الحدائقية الأوربية والحضارة الإسلامية ، ومزجت مابين الطابع الغربي والطابع الشرقي الإسلامي، إلا أن الطابع العربي هو الأكثر سيطرة وبروزاً.
وكان للحدائق الأندلسية طابعاً مميزاً عكس الفلسفة الجمالية ومظاهر الفن الأندلسي، وخير مثال على ذلك: حدائق الحمراء (Alhambra) حيث صحب المسلمون معهم إلى أسبانيا حب الطبيعة التي تمثل حياة البادية لديهم بما فيها حب المناظر الطبيعية والاستمتاع بالماء والهواء.

فعلى سبيل المثال لوحظ في الأندلس أن العمارة الإسلامية هناك كانت تدمج العناصر الطبيعية من الماء والنبات في كل مبانيها، خاصة القصور، وتميزت الحديقة الأندلسية باستخدام النباتات دائمة الخضرة، والنباتات والأشجار ذات الروائح الزكية وباستخدام الزهور الجميلة كالبنفسج والياسمين.
وتعتبر حدائق قصر الحمراء في غرناطة من أجمل الأمثلة التي يمكن الاستشهاد بها للدلالة على جمال الحدائق الإسلامية وتكاملها، وانسجامها الطبيعي مع الأفنية الداخلية.. وكانت هذه الحدائق متكررة بشكل متنوع في الأفنية المختلفة للقصر.. كما كانت مليئة بالنباتات ذات الروائح العطرة كالريحان..

وكانت فكرة الدهليز مقدمة فى الحديقة الأندلسية ثم المغربية والمغاربية والتي نُقلت عن الرومان، وبكل حديقة توجد نقطة مركزية متمثلة غالباً فى نافورة تلفت النظر إليها، وينتهي الدهليز عادة بما يحتويه من زهور وأشجار ونافورات بصالة كبيرة مفتوحة للهواء والشمس وقد يتواجد فى الحديقة أكثر من دهليز واحد، كما كانت الجدران تُدهن باللون الأبيض أو بالألوان الفاتحة، وهناك استخدام للأصص “المحابيق” المزروعة فيها النباتات والتي تعتبر جزء من تصميم الحديقة، المدهونة أيضاً بنفس ألوان طلاء الحديقة لكي يتكامل الإطار النهائي الجذاب لها.

اعتنى الأندلسيون والمغاربة ببناء الشرفات والنوافذ المطلة على الحديقة لكي تكون همزة وصل بين المنزل والحديقة، كما أن ممرات المنازل والحجرات الداخلية كانت تملأها أصص النباتات المحبة للظل وتوضع بجوار المنشآت البنائية.

وحيث أن المسلمين أكنوا يقدرون الماء نظراً لندرته فى حياة البادية عندهم، فُوجه إليه اهتماماً كبيراً كعنصر من عناصر الحديقة، فخرجت النافورات يندفع منه الماء إلى قنوات فى شكل هدير أمواج، وكان الاهتمام بذلك حتى لا تركد المياه التي يستخدمونها فى الوضوء، كما قام المسلمين بتزويد الحدائق ببعض الأعمال التنسيقية مثل الأسيجة الإطارية (Boxing hedges) التي تحيط بأحواض الزرع والطرقات ونافورات المياه، كما اهتموا بالأقواس المعمارية فبُنيت الأقواس الرخامية فى نهايات الدهاليز.

والحق، أن  (جنـة العريف) في غرناطة، تعتبر تحفة التحف التاريخية على مستوى الحدائق، فقد أقيمت على سفح ربوة، وصممها المسلمون على هيئة مدرجات لا يتعدى عرض أوسعها ثلاثة عشر مترًا، ولا يزيد عددها على ستة مستويات، حيث يلعب الماء دورًا أساسيًا فيها، إذ ينهمر من أعلى الحديقة من عيون تصب في قنوات تمر عبر الأشجار، في إستخدام جمالي للماء “المسكوب” كأحد مكونات الحسن في جنة الآخرة التي لم تفارق خيال المعماري المسلم وهو يشيد القصور والحدائق في الأندلس والمغرب ومختلف الأقطار الإسلامية .

 فقد أنشأ عبدالرحمن الداخل – رحمه الله –في الأندلس ، “الرصافة”، و التي تعد من كبرى الحدائق في الإسلام.. وكان قد أنشأها على غرار الرصافة التي كانت بالشام، والتي أسسها جده هشام بن عبد الملك وقد أتى لها بالنباتات العجيبة من كل بلاد العالم.. والتي ما إن تنجح زراعتها حتى تنتشر في كل بلاد الأندلس..!!

ولم يقتصر وجود الحدائق في الأندلس على أفنية المساكن أو القصور فقط، بل امتدت إلى أفنية العديد من المساجد والساحات ومداخل الزقاق والدروب ؛ فمن الملامح التي تميز بها مسجد قرطبة أن صحنه كان مغروسًا بالعديد من الأشجار ، أبرزها أشجار البرتقال وقد تكرر ذلك فيما بعد في جامع “مالقة” المزروع بأشجار النارنج البديعة، وجامع “ألمرية” المغروس بأشجار الليمون والنارنج، وجامع القصبة الكبير بأشبيلية، وغيرها

الحدائق العثمانية وإمتداد الحضارات السابقة 

 بمجرد دخول الإسلام إلى بلاد الأناضول أخذت الحدائق التركية في الانتشار في ربوع البلاد بصورة ملحوظة، ولوحظ على الحدائق الأناضولية أنها لم تكن للترفيه والتجميل فقط، وإنما كانت للإقامة !!.. وقد تميزت الحديقة في تركيا بأنها كانت تُخطَّط أولاً ثم يُبنى عليها بعد ذلك؛ ولذلك فقد كانت قصور اسطنبول تسمى بـ (الحدائق) على الرغم من وجود القصور داخلها!.. وكانت هذه الحدائق تُستعمل للتسلية أو الحفلات الرسمية، كما كانت تُطل غالبًا على ساحل البحر كما في إسطنبول..

وقد أُدخلت المسطحات الخضراء على التكوين المعماري للمساجد في العصر العثماني بهدف وقايتها من أخطار الحرائق (مثل مسجد السليمانية بإسطنبول)؛ فقد جرى التعارف على أن النار تشتعل في المنازل التي كانت تُبنى بالخشب، ثم تمتد منها إلى المساجد المجاورة، مما حدا بالمعمار(سنان) أن يحيط الجامع وملحقاته بسور خارجي، بينه وبين التكوين الداخلي للمسجد مساحات كبيرة خالية غرست بها أشجار باسقة، وأنواع من زهور مختلفة تعزل المسجد عن المنازل المجاورة، وتُحقق في الوقت ذاته قيمة جمالية رائعة.

وقد كثر في العهد العثماني أن تُزرع الأشجار في صحن المساجد الكبرى، ومن أمثلة تلك المساجد صحن المسجد النبوي الشريف، مسجد (با يزيد) بتركيا، كما يعتبر قصر (توب كابي) من أشهر القصور المعروفة بإسطنبول، وقد بدأ بناؤه في عهد السلطان ( محمد الفاتح) ، وكان مقرًا للسلاطين العثمانيين ما بين القرن العاشر والثالث عشر الهجريين (من السادس عشر إلى التاسع عشر ميلاديًّا)، وكان القصر بحدائقه يغطي مساحة 69 ألف متر مربع بمحيط 5 كيلومترات.. وقد خُطِّطت الحدائق فيه على شكل ممرات مكشوفة تحيط بالقصر من الشمال والغرب والشرق، وكان فيها حدائق للفاكهة والخضروات، ومساحة واسعة تُركت للصيد..

 

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.