مراكش ذاكــ البرج العالي المهدد بسرطان الخرسانة

هاسبريس :

تخليدا للذكرى 30 على إعلان مراكش تراثا عالميا ؛ سبق وأن أقيمت أيام  18-19-20 دجنبر 2015 احتفالات بالمناسبة ، دشنت بجمع تاريخي بمدرسة ابن يوسف حضرته أزيد من ألف من الحضور، كان من ضمنهم مجموعة من الشخصيات الحكومية والمدنية والعسكرية ، والمنتمين إلى الدوائر المالية الإقتصادية، والأوساط العلمية والفقهية والفنية والرياضية، والأطياف الجمعوية المهتمة بقضايا التراث في المغرب وفي مدينة مراكش، إضافة إلى العديد من المنتخبات والمنتخبين البرلمانيين والجماعيين حيث ألقى الأستاذ الباحث جعفر الكنسوسي كلمة اللجنة المنظمة …
ولأن هذه الكلمة تكتسي أهميتها حاليا، ولأنها لم تنشر من قبل ؛ ولاتزال تحتفظ براهنيتها لما تحمله من مقاربة وأسس ومقدمات تبرز الإجماع الذي تحقق ولأول مرة حول أهمية وحيوية إنشاء مؤسسة تعنى بالحفاظ على تراث مراكش المادي واللامادي وإعادة التاهيل الثقافي والفني لمؤسساته ومواقعه..
تقوم “هاسبريس” من خلال إنفتاحها على كافة المثقفين والمثقفات، والفعاليات الأكاديمية والإبداعية والباحثين والباحثات على المستوى المحلي والجهوي والوطني، بنشر أهم فقرات كلمة الأستاذ جعفر الكنسوسي  الباحث في التراث المغربي ، ورئيس اللجنة المنظمة لإحتفالية تخليد الذكرى 30 على إعلان مراكش تراثا عالميا، والتي تنتصر للقيم الجمالية والأبعاد الحضارية المغربية، القائمة على اعتماد المعايير الاحترافية العلمية والموضوعية العالمية في موضوع ترميم المواقع الأثرية والتعامل مع الموروث الحضاري بناء ونصا وقولا وفنا ……

 

جـعـفـر الكنسوسي  :

• باحث في التراث المغربي :
•رئيس اللجنة المنظمة لإحتفالية تخليد الذكرى 30 على إعلان مراكش تراثا عالميا :

 

نجتمع في قلب مراكش التاريخي بحي لقب قديما بِــ ” قريش مراكش ” ؛ لقيامه على العلوم الدينية والدنيوية و التجارة و الجامعة و السوق و أهل الصنائع المتفننين عُمار المساجد و الزوايا. .. ونجتمع تحديداً في مدرسة ابن يوسف هاته التي تحيي زائرها عند المدخل و تخاطبه قائلة :

أقامني للعـلم والصلاة أمير المؤمنين سبـط خاتم الرســل
أسمى الخلائق عبد الله فأدع له يا داخلي ببلوغ منتهى الأمل

يعني السلطان عبد الله الغالب السعدي محيي رسوم مراكش، فاسمه فأل حسن في تاريخ المدينة، نتفائل به،و لننظر كيف ُقرن العلم بالصلاة ، ولنرى ما نتج عن هذه الصلة من جمال بارع و بهاء ساطع ينبع من صروح هذه المعلمة المجللة بغبار الدهر.
وقد يأتي الطالب الغريب الآفاقي من باديته ، فتربيه المدرسة اليوسفية بسطوة رونقها، وتهذبه على النظرة الحضارية والذوق والجماليات المعمارية، كما تربي السلحفاة صغيرها ! و يستشعر القسمة الذهبية التي تعقل نظام البنيان فتحذقه و تأدبه كما تعظ اليوم الزائر الأجنبي وتباغته، وتدفعه إلى الإندهاش أمام الرونق والجمال .
نجتمع لنخلد ذكرى ذات بال : ثلاثة عقود مضت على تصنيف مراكش تراثا عالميا من قبل اليونسكو. فاستحسان الخبراء و إجماع الناس كافة على الفضائل الكامنة في عمران المدينة العتيقة يطابقه من المحبة ما لهج به أديب مراكش في بداية القرن العشرين الكاتب الطيب بوعشرين رحمه الله لما قال :

” وكل الناس لهم في مراكش محبة واشتياق” أو حنين و اشتياق.

هذا الشعار تبنته هذه الأيام الاحتفالية التي أحببنا أن تصير من أيام مراكش .

وفي هذه الأيام نأتي راجلين إلى قلب المدينة الذي هجرته نخبها . و ُنقوِم حصيلة التدخلات التي تنشد الإصلاح و الترميم ؛ و لربما حتى أعمال التجديد الذي يتحفظ بشأنه الخبراء و لهم تعقيبات على تجاوزاته و انحرافاته عن جادة الشروط المرعية. ونقف لنتأمل تراث ساحة جامع الفناء، التراث الشفوي اللامادي ونمعن النظر في مدى انجازاتنا الملموسة أو تلك التي بقيت حبرا على ورق. ونتقصى و نفلي أين حصل الاختلال حتى صار الأمر إلى وراء ؟ ونغتنم الفرصة للوقوف على بعض عمليات الإصلاح و الترميم بحي الملاح لنستحضر ذاكرة التعايش ببلدنا، لأن المغرب بلدنا ؛ طاقة روحية كبرى تفوق بكثير حجمه الجغرافي، ولأن مراكش وريثة الأندلس توجد اليوم في مغرب الشرق وفي مشرق الغرب في ذات الوقت ؛ وقوتنا في كمال هذا الإعتدال المنشود. وفي محطة أخرى من مواد البرنامج نتفيأ ظلال المنار الكتبي لنلقن شبابنا : من مهندسين معماريين و طلبة جامعيين ؛ تلاميذ ميراث الكتبيين ، حتى لايصدق فينا قول مؤرخ مراكش الشيخ العباس بن إبراهيم بأن:
” أهل مراكش وُسموا بإهمال و عدم العناية بالجم الغفير من علمائهم وأكابرهم وعظمائهم”..
ونختم بتكريم ثلة من خبرائنا و كنوزنا الحية و نترحم على الراحلين من بينهم. ولنساءل أنفسنا هل وفينا بوثاق العهود وهل قمنا بما ينبغي لكي نحفظ للمدينة تراثها بعدما وقف بعضنا أو جلنا لا مبالين أمام هزائم حضارية متتالية. لم نهتدي مثلا لحفظ الخطارات المائية وإنحبس معينها الراقي الرقراق.ومراكش هبة الخطارة، سبعة ألاف من الكيلومترات ردمت في تجن وجنون غير مسبوقين في تاريخنا….
وضاع الكثير من غابة مراكش وأعني غابة النخيل، وسفهنا جنان المنارة و تطاولنا على صهريجه الأثري ووقفنا ننظر إلى تهييج سرطان الخرسانة يلتهم البناء العتيق و دواخل المدينة .
ويفيدنا مؤرخ الفنون الإسلامية الشيخ ابراهيم بوركهاردرت حيث يقول : ” إن المادة الخام للفن هي الجمال” فلماذا ياترى هُجرت المدينة من قبل أهلها الحضريين وزهد في معاييرها الجمالية المكينة ولسان حالها يقول :
لأي سبب ُنهجر و السر البديع يَلمع ، مع من يحفظ شيئا من ديوان كناش الحايك لطرب الآلة.

لقد خبت أنوار المدينة في ضمائرنا منذ عقود وإنتشل من قلبها المركب الجامعي اليوسفي و غُفِص حق المعمار القديم وتَريَفت أحياء تحمل إلى اليوم أسماء ُترجِع صدى القرون الحضرية. فهل الحداثة يا ترى تقتضي أن ُتعدم جماليات الماضي، فهذا لا يشرف حاضرنا ويجعلنا نرتاب من مستقبلنا العمراني. ولنا عبرة و مثل في مجمل أحياءنا المحدثة بقدر ما هي انقطعت عنه الموصول الحضاري القديم بقدر ما ارتمت في أحضان القبح والبشاعة و الخرسانة المقواة بقضبان الحديد. أ لهذا الحد انهزمنا أمام البشاعة واستسلمنا للقبح و مواد البناء كريهة المنظر ؟ فأيننا نحن اليوم من الحق في الجمال في مدننا، وفي الحواضر الأجنبية على السواء، كما تطالب به النخب في العواصم الأوربية كذلك، لما جمح قبح ضواحي باريس مثلا على رشاقة الحي اللاتيني. أين الحق فيما هو جميل ؟

إن النسيج الحضري العتيق ينبؤنا بالواجب الجمالي الذي التزم به بناة الصروح القديمة، تبخر هذا الواجب الجمالي ويعوزنا اليوم، بعد ما كان أصلا تابثا يُرجع إليه و أساسا يبنى عليه.
فما أحوجنا لإصلاح ذات البين في بلدنا بين التراث و المعمار و التعمير والسكنى والمنظر العام. إننا نتوخى الكثير من هذه الذكرى ونؤمل الجميل لتراث المدينة وللصناعات الثقافية التي صارت تتقعد شيئا فشيئا. فإحياء التراث و تعزيز المعلمات التاريخية بالإحترافية ووصلها بتاريخها و المتاحف بمصداقيتها، بوسعها أن ُتسعد الساكنة و تنتفع بثرواتها المادية والمعنوية .
إن مدينتنا تدشن عهدا جديدا يلتئم فيه الجميع حول مطلب التراث. وها نحن سنسعد إن أصبحت مبادرات جمعيات المجتمع المدني مأخودة بعين الاعتبار ولما يفسح لها المجال وتتبناها المؤسسات المنتخبة و الرسمية بوافر العناية و القًبول.

 

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.