معاوية الثاني بن يزيد : الخليفة الأموي الذي حكم عشرين يوما

مـحـمـد الـقـنــور :

فى عام 64 هـ مات الخليفة الأموي يزيد بن معاوية الذى ولى الأمر عن أبيه بدهاء أبيه وكياسته وحلمه، ومعرفته بالتوازنات التي كانت تحكم الشعوب الإسلامية، وولى إبنه حتى بغير شورى المسلمين، وكانت وفاة يزيد بقرية من قرى حمص يقال لها حوّارين من أرض الشام، في 14 ربيع الأول سنة 64 هـ وهو ابن 38 سنة أو تسع وثلاثين، فقد كانت مدة خلافته ثلاث سنين وستة أشهر حسب أغلب المؤرخين، و ذكر السيوطي، أن يزيد كان شابا سمينا، لاهيا شرشا ذكيا، محبا للحياة ومقبلا عليها،وأنه كان يلاعب قردا أليفا لديه، فسقط عن فرسه، وبوفاة يزيد، آلت ولاية العهد من بعده لابنه معاوية، ليصبح ثالث الخلفاء الأمويين وآخر خلفاء الفرع السفيانى، وكانت كنيته أبا يزيد أو أبا عبد الرحمن، وسُمى معاوية الثانى ومعاوية الأصغر لدى معظم المؤرخين، وكان رحمه الله شديد البياض، كثير الشعر، كبير العينين، جعد الشعر، أقنى الأنف، مدور الرأس، جميل الوجه، كثيف شعر الوجه، دقيق الملامح، حسن الجسم، وأجمع الكثيرون من المؤرخين والفقهاء والعلماء أنه كان رجلا صالحا ناسكا.

ولا يختلف المؤرخون حول وصفه بالتقوى والورع، لكنهم اختلفوا فى مدة حكمه اختلافا كبيرا، ويتراوح الخلاف بينهم على عشرين يوما وأربعين يوما وثلاثة أشهر.

ووفقا لما ترويه كتب التاريخ ، فإنه لما أحس معاوية بن يزيد بالموت نادى فى الناس الصلاة جامعة، وخطب فيهم، وكان مما قال حسب رواية ابن كثير: «أيها الناس إنى قد وليت أمركم وأنا ضعيف عنه، فإن أحببتم تركتها لرجل قوى، كما تركها الصديق أبي بكر أياما قبيل وفاته لعمر بن الخطاب فإفعلوا، وإن شئتم تركتها شورى فى ستة كما تركها عمر بن الخطاب، وليس فيكم من هو صالح لذلك فإفعلوا ، فقد تركت أمركم، فولوا عليكم من يصلح لكم، ثم نزل ودخل منزله، فلم يخرج حتى مات رحمه الله تعالى .

وقد أراد معاوية بن يزيد أن يقول لهم: إنه لم يجد مثل عمر، ولامثل أهل الشورى، فترك لهم أمرهم يولون من يشاءون وقد جاء ذلك صريحا فى رواية أخرى للخطبة عند ابن الأثير قال فيها :

“أما بعد فإنى ضعفت عن أمركم فابتغيت مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر الصديق فلم أجده، فابتغيت ستة مثل ستة الشورى فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم، ثم دخل منزله وتغيب حتى مات .

واعتبر هذا الموقف منه دليلاً على عدم رضاه عن تحويل الخلافة من الشورى إلى الوراثة، فقد رفض أن يعهد لأحد من أهل بيته حينما قالوا له اعهد إلى أحد من أهل بيتك، فقال كما جاء فى كتاب “مروج الذهب” للمؤرخ المسعودى: والله ما ذقت حلاوة خلافتكم، فكيف أتقلد وزرها، وتتعجلون أنتم حلاوتها وأتعجل مرارتها، اللهم إنى برىء منها، مُتخلِّ عنها.

وجاء فى رواية لابن كثير: قيل له ألا توصى؟ فقال: لا أتزوّد مرارتها وأترك حلاوتها لبنى أمية،وكما جاء فى كتاب “الصواعق المحرقة” لإبن حجر الهيثمى “ومن صلاحه الظاهر أنه لما ولى صعد المنبر فقال: إنّ هذه الخلافة حبل الله وأنّ جدّى معاوية نازع الأمر أهله ومَن هو أحق به منه على بن أبى طالب و ركب بكم ما تعلمون حتّى أتته منيّته فصار فى قبره رهينا بذنوبه، ثمّ قلّد أبى يزيد بن معاوية الأمر وكان غير أهل له و نازع ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، فقصف عمره، وانبتر عقبه، وصار فى قبره رهينا بذنوبه، ثمّ بكى وقال: مِنْ أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه وبؤس منقلبه، وقد قتل عترة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأباح الخمر وخرّب الكعبة، ولم أذق حلاوة الخلافة فلا أتقلّد مرارتها، فشأنكم أمركم، والله لئن كانت الدنيا خيراً فقد نلنا منها حظا، ولئن كانت شرّا فكفى ذرّية أبى سفيان ما أصابوا منها، ثمّ تغيّب فى منزله حتّى مات.

ولا شك أن حادثة تنازل معاوية بن يزيد عن الخلافة حادثة نادرة فى التاريخ الإنسانى ، فهذا ما لم يرد له مثيل فى كتب التاريخ وتجارب الأمم على حد تعبير إبن مسكويه .

مات معاوية بن يزيد ، ثالث خلفاء بني أمية، عن إحدى وعشرين سنة وهو الأرجح وقيل: ثلاث وعشرين سنة وثمانية عشر يوما. وقيل: تسع عشرة سنة. وقيل عشرين سنة.. وقيل ثلاث وعشرين سنة. وقيل إنما عاش ثمانى عشرة سنة وقيل: خمس عشرة سنة.. وشهد دفنه مروان بن الحكم، فلما فُرغ منه قال مروان: أتدرون من دفنتم؟ قالوا: نعم، معاوية بن يزيد. فقال مروان: هو أبو ليلى الذى قال فيه الشاعر أزنم الفزارى:

إنى أرى فتنةً تغلى مراجلها      ↔     ↔     والملك بعد أبى ليلى لمن غلبا

وبالفعل فقد أحدثت وفاة معاوية بن يزيد أزمة خطيرة، فقد كان أخوه خالد بن يزيد صبيا صغيرا. وكان أمر عبد الله بن الزبير قد استفحل وبايع له الناس من أنحاء الدولة الإسلامية، حتى رأى فريق من جند الشام على رأسهم الضحاك بن قيس أمير دمشق أن يبايعوا لابن الزبير، بل أن مروان بن الحكم كبير بنى أمية ، وجد خلفائهم ، كان قد فكر فى الذهاب إلى ابن الزبير ليبايعه ويأخذ منه الأمان ولكن سائر الجند والقادة بزعامة حسان بن مالك زعيم القبائل اليمنية ممن كانوا أقوى المؤيدين لبنى أمية وهم أخوال يزيد رفضوا أن يخرج الأمر عن بنى أمية وأن يبايعوا لعبد الله ابن الزبير، فحدث خلاف شديد ولبثت بلاد الشام ستة أشهر بدون إمام، وأخيرا اتفق القوم على أن يعقدوا مؤتمرا للشورى، يبحثون فيه عمن يصلح للخلافة ويصلوا فى ذلك إلى قرار، وكان الأمر فى النهاية من نصيب مروان بن الحكم الذى بويع فى مؤتمر الجابية فى ذى القعدة سنة 64 هجرية

وهكذا انتقلت الخلافة الأموية من الفرع السفيانى إلى الفرع المروانى، وأولهم مروان بن الحكم، الذى لا يُعد عند كثير من المحققين والمؤرخين خليفة، حيث يعتبرونه مجرد ثائر خرج على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، وكذلك ولده عبد الملك لا يعتبر خليفة إلا بعد مقتل عبد الله ابن الزبير على يد جيوش الحجاج، التي حاصرت مكة، بعدها أجمع المسلمون وغيرهم على أن عبد الملكـ بن مروان خليفة لهم.

ومهما يكن ، فإن لمعاوية بن يزيد مكانة خاصة عند الشيعة ويسمونه أيضا (معاوية الثانى) تمييزا له عن جده معاوية بن أبى سفيان، ويقرون أيضا تسميته (معاوية الأصغر) ولكنهم يرون أنه هو الأكبر عقلا وقلبا وإيمانا، فقد أورد المؤرخ الكركى فى الجزء الثانى من رسائله قوله فيما نقل عن معاوية بن يزيد من ميوله لأهل البيت وإنكاره الشديد على أبيه وتبرؤه من فعله .

كما أورد إبن فهد الحلى في كتابه “عدة الداعى”: أن السبب الموجب لنزول معاوية بن يزيد عن الخلافة أنه سمع جارتين له تتباحثان، وكانت إحداهما بارعة الجمال فقالت الأخرى لها قد أكسبك جمالك كبر الملوك، فقالت الحسناء: وأى ملك يضاهى ملك الحُسن وهو قاض على الملوك فهو الملك حقا، فقالت لها الأخرى: وأى ضير فى الملك إما قائم بحقوقه وعامل بشكر فيه فذاك مسلوب اللذة والقرار منغص العيش وإما منقاد لشهواته ومؤثر للذاته مضيع للحقوق ومضرب عن الشكر فمصيره إلى النار، فوقعت الكلمة فى نفس معاوية موقعا مؤثرا وحملته على الانخلاع من الأمر، فقال له أهله: اعهد إلى أحد يقوم بها مكانك، فقال: كيف أتجرع مرارة قدها؟ وأتقلد تبعة عهدها ولو كنت مؤثرا بها أحدا لآثرت بها نفسى، ثم انصرف وأغلق بابه ولم يأذن لأحد، فلبث بعد ذلك خمس وعشرين ليلة ثم قبض، وروى أن أمه قالت له عندما سمعت منه ذلك: ليتك كنت حيضة، فقال: ليتنى كنت كما تقولين ولا أعلم أن للناس جنة ونار.

وموت معاوية بن يزيد من وجهة النظر الشيعية يحوطه بعض الغموض والشك. حيث إنه لا يُستبعد أن العائلة الأموية هى التى قتلته؛ لأنه كان يكرر مرارا أنه يشم رائحة دم الحسين حفيد الرسول “صلعم”رضي الله عنه ودم أهل البيت تفوح في قصر أبيه. كما أنه يُروى أنه أراد التكفير عن الظلم الذى قام به والده يزيد بن معاوية، ومن ثم فمنهم من يرجح أنه قد مات مسموما وليس بالطاعون ، حيث يستبعد عقلا وصول الطاعون إلى قصر الأسرة الحاكمة ذات الحماية المشددة والترف المبالغ فيه والعناية غير المحدودة.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.