“هـَــرْبَـل”، طبق مغربي تتوارثه الأجيال إحتفاءً بعيد المولد النبوي

مـحـمـد الـقـنــور :
عـــدســــة : مـحـمـد أيـت يـحـي :

يظل للأعياد الدينية لدى المغاربة، ميزات إحتفالية تختزلها الأزياء والحلي، والعادات والتقاليد، والأطباق والعطور، والبخور والأهازيج والمراسيم والزيارات، والتهاني والتبريكات، حيث تنطبع بنكهات عريقة، تبرز ما للشعب المغربي من عمق حضاري، تغذيه روافده الثقافية التليدة، التي ترتفع فوق متغيرات الزمن، وتأبى عن الخضوع لكل مظاهر الحداثة.
ويشكل طبق”هربل” كعصيدة طحين أبيض ممزوج بالزبدة، أو بالسمن البلدي والعسل، وأحيانا في بعض المناطق بالمغرب يُخلط بــ”زيت الزيتون” وزيت “الأركَــان” إرتباطا وثيقا بوجبات الصباح لدى مختلف المغاربة، في صبحية عيد المولد النبوي الشريف.


هذا، ويعرف المغاربة منذ العهود القديمة ، كيف يحتفون بالاعياد الدينية، والملاحم الوطنية، إذ يشكل عيد المولد النبوي الأبركـ ، فرصة لديهم لإثبات مدى حبهم للنبي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه،ومناسبة لتجديد تشبثهم بالوسطية والاعتدال الديني حيث لا إفراط ولا تفريط، تستقطبها، وذلكـ ، من خلال تلاوة االقرآن الكبير، وتنظيم حلقات الذكر والسماع، والإحتفاء بالحديث النبوي والأثر الشريف في كتب الصحاح على غرار صحيح البخاري يرحمه الله.
وخلال ليلة عيد المولد النبوي، تستعد النساء لتهيئة أطباق عصيدة “هربل” في مختلف مدن وقرى المغرب، وهي العصيدة التي يختص بها عيد الفطر وعيد المولد النبوي، والتي عادة ما تطبخ منذ ليلة العيد على نيران هادئة في “مجامر” من الفحم، قصد تناولها في صبيحة العيد .
وعن أصول هذا الطبق المغربي العريق والمشهور في مختلف الأوساط المغربية، يختلف خبراء وخبيرات فن العيش المغربي حول مصدره،إذ يؤكد جانب منهم، أن عصيدة “هربل” تعود إلى الثقافة الأمازيغية العريقة، حيث يتم إعدادها من خلال فركـ حبات القمح الناضج، في “المهاريز” الخشبية، بالعصي، قصد فصل اللب الأبيض عن “النخالة”،وهي القشرور التي تغلف حبات القمح،بعد ذلكــ، يتم عزل اللب الذي يتم تهيئة عصيدة “هربل” منه، في حين ترجهع مصادر أخرى، أصول هذه العصيدة في المغرب، إلى أصول موريسكية، إذ جلبها الموريسكيون إلى المغرب من ضمن ما جلبوه من مظاهر معيشية وترفيهية وجمالية وحضارية، بعد سقوط غرناطة سنة 1492، تحت ضربات فرديناندو ملكـ قشتالة وإليزابيث الكاثوليكية ملكة أراغون.
ومهما يكن، فإن مجمل الباحثات والباحثين في فنون العيش المغربي ، يرجحون أن مختلف العصائد وأنواع “الكسكس” المغربية،تعود إلى الثقافة الأمازيغية.

وإن كان العرب قد عرفوا العصيدة كأكلة، في أزمنة الإسلام وما قبل الإسلام، فإنها كانت تختلف عن العصائد المغربية، لكونها كانت تتضمن الحبوب ممزوجة بلحوم الإبل، على خلاف العصائد المغربية كــ”هربل” و”سيكوكـ” اللذان يخلط بالألبان و بالسمن أو الزبدة الطبيعية والعسل .
وترتبط “العصائد المغربية” من “هربل” و”بركوكش”و “سيكوكـ” و”زميطة” وهي طحينة من الشعير الذي بُعرف في الثقافة المغربية بــ “البندق” حيث يتم تجفيف هذا الشعير في فترة إخضراره،ويشتهر في الثقافة الأمازيغية بــإسم “أزنبو” مع تغييرات طفيفة في اللون المتأرجح بين الأبيض الناصع، والأبيض المائل إلى الإصفرار، وفيما يتعلق بحجم الحبات، فبعد أن يتم فسخه من سنابله، وكلاهما يرتبطان تاريخيا بفترات القحط والجفاف حاد، حيث يعتبران من الأطعمة المُصبرة .


في ذات السياق، لم تبق هذه المعجنات المغربية التاريخية والعريقة المتوارثة خلف عن سلف، محصورة في تناولها على أيام القحط والجفاف، حيث يغيب الزرع وتقل ألبان الضرع، بل تحولت إلى إيقونات على الموائد المغربية في أفخر الإقامات والمطاعم المغربية والدولية .
ولكون الثقافة المغربية، ثقافة متطورة في معظم جوانبها، فقد تطور إستعمال هذه المعجنات و”العصائد” ولم تعد ضمن الأطعمة الإحتزارية – إن صح هذا التعبير- ومقصورة على أيام الجفاف، وإتقاء المجاعات، خصوصا طحينة “الزميطة” و” وسَـلـْـلو” أو سليلو” كما يسمى في مراكش حالة الجفاف تلك، بل تحولت إلى أكلات تتباهى بها الأسر المغربية، أما ضيوفهم خصوصا بعدما أضاف لها المطبخ المغربي إضافة العديد من المكونات وأصناف الفواكه الجافة كاللوز و الجوز والفُستق “البستاش”و”البُنْـــدُق” les Noisettes ، فضلا عن إدخال تنويعات إعدادية شكلية على طريقة تقديمه.

ورغم إقبال المغاربة موسميا على “العصائد”، فإنها تعرف استقرارا في الأسعار بالأسواق، ولا تخضع للمضاربة مما يجعل المستهلكون في منأى عن التخوفات من إقتنائها، ” وعن حسابات المضاربين الجشعين في كل مضمار، والتي باتت تلتهم القدرات الشرائية للمغاربة أكثر فأكثر.


ويرجع بائعو العصائد والمعجنات من التجار وأرباب الدكاكين المغاربة من جهتهم، عدم ارتفاع أسعارها، التي لا تتجاوز العشرة دراهم للكيلو، لموسميتها، وإرتباطها بالأعياد وببعض المناسبات الناذرة في يوميات المغاربة السنوية، حيث تغيب عنها “حمى” المضاربات .

ولعل أكثر الموجودات شراهةٌ للحليب، الرضع الصغار من بني الإنسان والحيوانات، والقطط السيامية المدللة، وكيلوباترا، وبعض قياصرة روما التاريخيين، وأعداء النبيذ الأحمر والزهري ، والرعاة من الرُسـُــل والزهاد والأولياء عليهم أفضل الصلوات إلى يومنا هذا، والمضيفين على مختلف أطيافهم من المغاربة المستقبلين لضيوفهم، محملين بأطباق التمر، وهــــذا الـــ”هـــربل” المغربي الذي لا يستوي حتى يكون قد إستنفذ حجمه أو ضعفه من هذا المشروب الأبيض الطبيعي الفاخر

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.