إنطباعية مرموقة : مراكش كما رآها

محمد القـنــور :

أراد هذا الفنان التشكيلي ،المجهول الإسم، أن يكون إنطباعيا تملي عليه قريحته وإبداعيته ، واقعا ليس هو الواقع بعينه، فقد وضع لوحته كما ترتضي هذه القريحة، وكما تمليه عليه إبداعيته المرموقة، فإستحضر منازل المدينة العتيقة في مراكش، ودروبها، فوضعها بفنية متميزة ومعتبرة وراء صومعة الكتبية، وقرَّب ضريح السيدة الولية التقية “للا زهرة بنت الكوش” على غير ما هو عليه في الحقيقة، وقــلـَّـــص من علو جبال الأطلس الكبير، كأنه تلال “جبيلات” في إقليم الرحامنة وإقليم قلعة السراغنة، فكان له كل ما أراد بدقة وجمالية ، إذ ملأ دنيا لوحته بالضوء وتماهي القيم والعناصر وتداخل الألوان، …..

هـــذا، ويمكن ان يؤرخ للفن الحديث بالقرن التاسع عشر الميلادي حيث بدأ الاهتمام بالفن وصارت له مدارس ذات مسميات مختلفة لها اصول فلسفية او معاني نتجت مصادفة او اطلقت عليها نتيجة لعمل ما ، فأصبحت تمة مدرسة رومانسية ومدرسة سريالية وثالثة إنطباعية ورابعة تأثيرية وخامسة نيو كلاسيكية وسادسة تجريدية وما إلى ذلك .
هذا، وإن كانت بعض المدارس التشكيلية الفنية قد بدأت قبل تسميتها ، فإن نقاذ القرن التاسع عشر في العالم عموما وفي أوروبا تحديدا هم من أسموا هذه المدارس بمسمياتها ، ومهما يكن فإن بعض هذه المدارس حاولت تحرير الفن من الواقعية الموضوعية كالمدرسة الانطباعية ومنها ما كان تطوره مقصودا او عارضا او فوضويا ولكنها جميعها كانت ذات رسالة انسانية تعبر عن الجمال والقبح ، عن الفرح والحزن، عن الحركة والجمود عن النور وعن الظلمة، عن البر وعن البحر ، عن الأرض وعن السماء، عن الإنسان وعن الحياة الإجتماعية والاقتصادية والفكرية ، عن المدينة وعن القرية بشكل رفيع .
وكيفما كان الحال ، فقد طمح الفنانون التشكيليون نحو الخروج عن التفاصيل والتقاليد الفنية القديمة التي أسسها العمالقة الكبار من الرسامين أمثال ليوناردو دافنشي ،De vinci و”كرافاجيو” Caravaggio و”ريبيرا” و”رافائيل” Rafael و”بيليني” ، الجد والإبن والحفيد ، و”فيلاسكيز” و”رامبراندنت” و”أنجيللو” ، وغيرهم ممن لا تزال البشرية تقف مشدوهة أمام أعمالهم الخالدة ، في متحف اللوفر وفي غير متحف اللوفر ، ثم سعى الفنانون التشكيليون إلى بسط تجارب الفنان الذاتية والخاصة كمقياس للعمل الابداعي بكل حرية وتلقائية ، وليس كما كان يطلب منه،أو يتطلبه عصر النهضة الأوروبية الذي إمتد من 1500 إلى سنة 1700. فقد إبتعد هؤلاء عن تناول الاغراض الدينية، ولم تعد لوحاتهم تحفل بتجسيد الآيات المقدسة ولا حياة المسيح عليه السلام ومواقف القديسين والقساوسة والرهبان، وكرامات أولائك الصالحين المتبتلين في الكنائس والأديرة، أو النساك الهاربين من صخب الحياة نحو المروج والمغارات والجبال والأكواخ .
ومع ظهور الفيزياء الجديدة مع إسحاق نيوتن Isac Newton ومع تطور العلوم الطبيعية والهندسة ، فقد بدأ الاهتمام بالتعرف على اسرار النور واللون وتاثيرات الخط والحركة ، وصاحب ذلك ، كتابات النقاد والأدباء ، ودعواتهم في البعد عن المحاكاه للواقع مع العناية بالابداع والابتكار وتشجيع الفنانين التشكيليين من الرسامين والنحاتين ، والفنانين التعبيريين من الشعراء والكتاب الروائيين والمسرحيين على تجارب الفنان صارت موضوع الاهتمام اكثر من المضمون والموضوع كما ان جمال الواقع المعيشي صار هو الدافع والمهيمن على العمل الفني .

وقد زاد نزوع الفنانين الى استخدام مواد غريبة ومختلفة في تنفيذ اعمالهم دون الاعتماد على الالوان الزيتية وتعويضها بالألوان المائية ومواد أخرى مثل استخدام الورق والحديد ومختلف المعادن ، ثورة أساسية في عالم الفن التشكيلي ، ساهمت في تحرر الفنان من القيود الواقعية. فكانت من ضمن نتائج هذه الثورة الفنية بروز الإتجاه الانطباعي .
والحق أن الإتجاه الإنطباعي، والذي أطلق عليه المدرسة الإنطباعية بعدما باتت له مقاييس ومستلزمات ومحددات ، كان قد ظهر في باريس في القرن التاسع عشر ، مع ما ظهر في هذه المدينة من اتجاهات ادبية وفنية كالرمزية والانطباعية خلال فعاليات وانشطة الشباب بمقاهي باريس .
وقد اقام هؤلاء الرسامون الإنطباعيون ، وكانوا شبابا معرضهم الفني عام 1863م فكانت عدد لوحاته 4000 لوحة وكان مخالفا لما اعتاد عليه عشاق ومحبي التحف رواد الفنون، من لوحات فاطلق عليه اسم صالون المرفوضين وقد هوجموا من قبل النقاذ والصحافيين انذاك ، وكانت بهذا المعرض لوحات صارت من اشهر الاعمال العالمية فيما بعد مثل لوحة الفتاة البيضاء لهويسلر ولوحة الغذاء على العشب للفنان مانيه Manet .
نعم، لقد اقاموا معرضهم الاول كمستقلين عام 1874م وهاجمه النقاد حيث اطلقوا عليه اسم الانطباعيين نسبة للوحة مانيه المسماه “انطباع شروق الشمس” ثم اقاموا معرضهم الثاني عام 1876م بدون مشاركة سيزان Cézanne . ثم أقاموا معرضهم الثالث عام1877م فى فندق دردول وانتهى بتدخل الشرطة لفض المتظاهرين ممن رفضوا هؤلاء .
ثم اقاموا معرضهم الرابع عام 1879م وعلى خلاف سابقيه ، فقد لقي بعض الترحاب وخاصة اعمال الفنان رينوار Renoir وفي عام 1886م اقيم المعرض الثامن والاخير واشترك فيه الجميع بما فيهم سوراه Saurât مبتكر اسلوب المدرسة التنقيطية ومع مرور الزمن وجد الإنطباعيون الاعتبار واثبتت مدرستهم وجودها حيث خصصت لها صالة لاتزال تعرف زيارات متكررة لكل عشاق الفن التشكيلي بمتحف اللوفر .

وتقوم فلسفة الإنطباعيين على رفض القانون الوضعي القاضي بممارسة الفن للأقلية والبعد عن الزيف والتفاعل مع الطبيعة وتحليلها، ثم على دراسة الوان الطيف الشمسي وتقسيم الالوان بشكل علمي وان كان قد سبقهم اليه الفنان فيرونيز والفنان دوميه ، وعدم العناية بالبعد الثالث في اللوحة والاستعاضة عنه بالبعد الذاتي النابع من داخل الفنان ونجد ذالك كثيرا في اعمال فان جوخ Van Gogh ،وإن كان البعض يدمجه ضمن التيار التأثيري Influenisme وتطبيق قواعد علم الضوء بالاعتماد على العناصر الموجودة في الطبيعة كما أكثروا من تناول رسم الطبيعية الصامتة Nature Morte حتى سموا بفناني الطبيعة .
وهذه الصور هي في الواقع ليست لمؤسسي الإنطباعية التشكيلية القدماء من أمثال ديجا Degas
ورينوار Renoir و سيسلي Sisley ومونيه Monet ومانيه Manet ، وإنما هي للإنطباعيين الجدد ممن يعيشون بيننا في القرن الواحد والعشرين فلا يجدون ما كان يجدونه أسلافهم من رفض وغضب وانتقاد وحرج ما بعده حرج .

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.