لماذا أوصى الخليفة عمر بن العزيز بدفنه في كنيسة ؟

مـحـمـد الـقـنـور :

نظر فارس بني أمية،وأحد أفضل القادة العسكريون في التاريخ الإسلامي،الأمير مسلمة بن عبد الملكـ إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز مسجى في كفنه، فقال في كلمات باكية: يرحمك الله، يا أمير المؤمنين، لقد أَلَنْتَ مِنَّا قُلوبًا قاسِيَة، وأَبْقَيْت لنا في الصَّالحين ذِكْرًا،وزَرَعْتَ لنا في قُلوب الناس المَحَبَّة.

وكان الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي فارق الحياة وعمره لم يتجاوز 38 سنة، قد إشترى مكان قبره في دير مسيحي ، يعرف بدير “سمعان” يعود إلى القرن الخامس الميلادي، حيث كان يسكنه الراهب “سمعان”.

فعندما أصبح الخليفة عمر بن عبد العزيز والياً على “خناصرة” قرب “حلب” نشأت علاقة قوية بينه وبين الراهب “سمعان” حيث كان الخليفة عمر يكثر من زيارة هذه المنطقة حيث أراضي أمه وأخواله، وحين أصبح “عمر بن عبد العزيز” خليفة المسلمين استمرت هذه العلاقة، وتطورت هذه العلاقة حتى اشترى من الراهب “سمعان” مكانا في الدير لكي يدفن فيه، وقد أصر أن يدفع ثمنه للراهب الذي أراد أن يعطيه إياه هدية حباً بجواره، ولما توفي سنة 101 هـ دفن مع زوجته فاطمة بنت عبد الملك في هذا الموضع، وقد زاره العديد من السلاطين الأيوبيين والمماليك ومنهم السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة 584 للهجرة .

ويقع ضريح الخليفة عمر بن بد العزيز في قرية دير شرقي الواقعة شرق مدينة معرة النعمان، مسقط رأس ومدفن الشاعر الشهير أبي العلاء المعري، والتابعة لمحافظة إدلب في سوريا، حيث يعود بناء الضريح الأساسي الذي هو عبارة عن بناء قديم  إلى العهد المملوكي، وقد ظل يعاني الإهمال حتى تسعينيات القرن الماضي عندما قامت وزارة الآثار والمتاحف السورية بتأهيل البناء بالكامل وبناء قبة تكريمية فوق باحة الضريح، وإنشاء حديقة عامة حوله يؤمها الزوار العرب والسوريون والسياح الأجانب من كل دول العالم ليقفوا أمام ضريح هذا الخليفة الذي كان مضرب الأمثال في ورعه وتقواه وعدله وتسامحه.

وقد أراد الخليفة عمر بن عبد العزيز، أن يدفن في هذا الدير حسب العديد من المؤرخين والباحثين ليوصل رسالة إلى المسلمين حول أهمية التسامح مع معتنقي الأديان الأخرى، وفي التعامل مع الغير، وفي المعاملات المختلفة مع الناس، وتيسيير الأمور، والملاينة فيها، التي تتجلّى في التيسيير،لقوله تعالى : (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)، وتكريس ثقافة العفو، وأخلاقية سعة الصدر، وضبط النفس عند الغضب، والصبر على ما يكرهه الإنسان،وإحترام الإختلاف.

المصادر :

تاريخ الخلفاء :السيوطي .
العقد الفريد : إبن عبد ربه .
تاريخ الطبري .
 تاريخ دمشق : ابن عساكر .
معجم البلدان : ياقوت الحموي.
سير أعلام النبلاء: الذهبي .

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.