مراد بولرباح رئيسا بالإجماع لرابطة الشرفاء الجزوليين

هاسبريس:

إنتخب الأستاذ مراد بولرباح ،رئيسا بالإجماع لرابطة الشرفاء الجزوليين ، خلال الجمع العام التأسيسي ، الذي إنعقد، تحت شعار “ثقافة ومسلكيات التصوف في سياق النموذج التنموي الجديد”، مساء الأربعاء المنصرم، 03 أبريل، بالقاعة الشرفية، للمسرح الملكي بمراكش، ترأسه الزميل الصحافي محمد القنور وذلكـ بحضور الأستاذ مولاي علي العابد، رئيس رابطة الشرفاء الحسنيين والحُسينيين بجهة درعة تافيلالت، والأستاذ عبد الرحمان المليحي، الكاتب العام للرابطة الوطنية للطريقة الجزولية، نيابة عن أمينها العام، الشيخ عبد الرحمان الصوايكي،و مجموعة من الشريفات والشرفاء الجزوليين، المنحدرين من نسب القطب الصوفي، بالإضافة إلى العديد من الفعاليات الإقتصادية والإجتماعية والأكاديمية، ونساء ورجال الأعمال والمثقفين والفنانين والمبدعين، وممثلي بعض وسائل الإعلام .


كما عرفت فعاليات الحفل أجواء روحانية، ومراسيم ضيافة مغربية أصيلة، وتلاوات لآيات بينات من الذكر الحكيم للمقرئ مراد الشفاج، وشذرات من الوِرْدِ الأخير من “دلائل الخيرات” وفقرات من فن الإنشاد والسماع ، أحيته مجموعة عشاق المديح والسماع، برئاسة المنشد مولاي جعفر المتوكل.
هذا، وحسب بلاغ صحافي من اللجنة التنظيمية للجمع العام التأسيسي لرابطة الشرفاء الجزوليين، توصلت به “هاسبريس” فإن مبادرة التأسيس سعت إلى لم شتات الأسرة الجزولية، المرتبطة بنسب سيدي محمد بن سليمان الجزولي السملالي الشريف الحسني،أحد الرجال السبعة الأولياء بمدينة مراكش، ولإبراز ما للتصوف والزوايا من إرتباط وثيق بالهوية المغربية والثقافة الأصيلة، وما للثقافة الأصيلة من حاجيات في التصوف والزوايا، كعلاقة باتت تفرض نفسها بشكل جدي في سياق النموذج التنموي الجديد الذي أعلن عنه جلالة الملكـ محمد السادس نصره الله.
وبعد قراءة القانون الأساسي للرابطة والمصادقة عليه،وخلال كلمته على إثر إنتخابه بالإجماع، أبرز الأستاذ مراد بولرباح نقيب رابطة الشرفاء الجزوليين المنتخب ، أن مبادرة التأسيس تسعى في أن تكون الرابطة فضاءً لتلاقي تجارب الجمعوي ، التأطيري والتحسيسي بين المثقفين والفنانين وصناع الثقافة والمسؤولين والباحثين والمبدعين وتقديمها للجمهور بمراكش وجهة مراكش آسفي خصوصا، وعلى المستوى الوطني عموما، ضمن مشروعها النهضوي والتنويري الحداثي ، وعبر مختلف المحطات والمناسبات ، ومن خلال الإنفتاح على كل الفئات المجتمعية والدوائر الصوفية، والمؤسسات الخاصة والعمومية عبر تأسيس شراكات واقعية وناجعة ،وحلقات دراسية وتكوينية، وملتقيات فنية ومهرجانات، ومنتديات فكرية،ومعارض ثقافية وروحية وأخرى تشكيلية وحرفية، وبرؤية محكمة ومنهجية تعتمد على التخصص والعلمية والشمولية والانفتاح والتواصل.
وأضاف بولرباح ، أن رابطة الشرفاء الجزوليين ستستشرف تعميق المعرفة الصوفية لمحاربة كافة أشكال التطرف والتصدي للإنحلال وتكريس ثقافة الإعتراف بالرموز الصوفية والفقهية والتاريخية، وضمان معيار التواصل المواكبة للمستجدات ، وما بات يفرضه العصر من تطورات في وسائل ووسائط التواصل الفكري والثقافي والعمل الجمعوي ، التأطيري والتحسيسي والثقافي الجديد.

كما أوضح بولرباح أن الرابطة المعنية ستعمل على الدفاع عن المقدسات والهوية الحضارية والفكرية للمملكة المغربية، ودعم ونشر الفكر الصوفي والتضامن والتكافل والمحافظة عليه، والإنفتاح والتواصل وتنمية روح التآزر والتعاون بين رابطة الشرفاء الجزوليين وكل الجمعيات والمنظمات ذات نفس الأهداف.التربية على القيم السلوكية الصوفية والأخلاقية والدينية والوطنية، وإقامة لقاءات وندوات محلية ووطنية ودولية وتعويد أعضاء رابطة الشرفاء الجزوليين على المناقشة الهادفة والحوار البناء، ودعم ومساندة القضية الوطنية، تحت هدي مولانا إمير المؤمنين صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله.
هذا، وفي إختتام حفل الجمع التأسيسي لرابطة الشرفاء الجزوليين ، تم رفع برقية ولاء وإخلاص لعاهل البلاد جلالة الملك، محمد السادس نصره الله.

ويظل القطب المتصوف محمد بن سليمان الجزولي، يحمل أكثر دلالات العالم المربي،والمغربي المدافع عن الثغور والمناهض للإحتلال، والإمام الذي غطت شهرته مختلف أقاليم وجهات المملكة، وتجاوزتها إلى أقطار العالمين العربي والإسلامي، ولعل شهرة الإمام العالم الصوفي الجزولي تتمحور حول كونه، ظل عبر مختلف محطات حياته من العلماء العاملين، ومن الأئمة المهتدين، ممن يربطون القول بالفعل، والفكر بالعمل وممن جمع بين شرف النسب وعلو الهمة، وقوة الشكيمة وحضور البديهة وسلامة الدين، وشرف العلم ونجاعة العمل، وإستطاع أن يوحد مابين أحواله الربانية المنبثقة من درى الزهد والتصوف، ومن تلكـ المقامات العالية السماوية، التي ترفع أصحابها إلى أسمى الأخلاق الزكية، وأرفع الطريقة السنية، وأصدق منابع العرفان بحقوق الله والعباد.

فقد ولد الطفل محمد بن سليمان الجزولي سنة 1404 ميلادية، ببلاد جزولة من مناطق سوس الأقصى، كما سماها الجغرافيون والمؤرخون والرحالة، وفتح عبينيه طفلا صغيرا على ما كان في هذه المنطقة الواقعة بجنوب المغرب، من حركة علمية، ومن تدريس ومن تعدد في حلقات العلوم الشرعية والوضعية، فنشأ الطفل محمد متأملا دارسا، وباحثا عن أسرار ملكوت الله، ناظرا في الكتب وفي الدلالات والمعاني، وفي تلكـ المتون والمؤلفات التي تصقل المواهب، وتنمي العقل والوجدان والسريرة معا، نشأ ناظرا إلى كل تلك الآفاق الممتدة مابين سهل سوس الحالي و سلسلة جبال الأطلس الكبير من الشمال وجبال الأطلس الصغير من الشرق والجنوب والمحيط الأطلسي من الغرب.

وقد تربى محمد بن سليمان الجزولي خلال نشأته الأولى، ناظرا في شؤون سكانها من الأمازيغ و العرب، ومتجولا مابين خليطهما بقبائل هوارة،ومتأملا في تلكـ الغابات من شجر الأركان النادر، الممتدة على مرمى البصر، والمؤثتة للبراري البورية والمسقية، التي تحف بالمدن التي ستنبثق فيها، سواء خلال عصر الجزولي على غرار تارودانت، وتزنيت، أو في فترتنا الحديثة كـأڭادير عاصمة منطقة سوس حاليا، وإنزكان، وأيت ملول والدشيرة.

وقد وصف العالم محمد المختار السوسي صاحب “سوس العالمة” ومؤلف رائعة “المعسول” بلاد سوس رغم بعده زمنيا عن عصر الجزولي بما يزيد عن خمسة قرون ، فذكر أن بها تواجدٌ عربي وأمازيغي، وأن في صحراء سوس توجد قبائل من بني هلال وغيرهم من القبائل العربية، لا زالت تختلط بالقبائل الأمازيغية وأنهم لا يزالون يحافظون على أنسابهم وعلى لغتهم وآدابهم وفنونهم وعاداتهم إلى الآن، وأشار السوسي يرحمه الله أن في وسط سوس، يتكلم الناس بالأمازيغية وقلما يتكلمون العربية، إلا في أولاد جرار بضواحي تيزنيب، ولدى بعض القبائل التي تحيط بتارودانت، وخلص السوسي إلى أن أغلب الأسر العربية الأصل فإنها “تمزغت” حتى نسيت لغتها الأصلية، وأن لم تنس غيرتها العربية وأعماقها الدينية.
ومن المؤكد أن الإمام الجزولي من هذه الأسر، نظرا لما أجمع عليه المؤرخين والرواة حول نسبه الشريف، وإنحداره من تلكـ الدوحة المحمدية النبوية العطرة ، والسامقة والمتفرعة في مختلف البطون والقبائل، فهو سيدي محمد بن سليمان الجزولي السملالي الشريف الحسني، كما إتفقوا على أن القطب الولي الجزولي قد جمع مابين العلم اللدني، والسر الرباني، والتصريف النافذ التام، من الخوارق العظام والكرامات الجسام، مما جعله يتميز بمكانته العلمية في عصره وخلال العصور التي تلته إلى يومنا هذا، ويشتهر اجتهاداته، وبكفاءاته، وبتلكـ القدرة الفائقة على التأثير في محيطه والتأطير لتلاميذته وما كان يبرع فيه من تلقين لآيات الصلاح والبناء وتعليم لمريديه، وكلها صفات قلما كانت تجتمع في الفرد، ولكنها إجتمعت فيه أهلته ليصبح قبلة للناس من طلاب العلم والمعرفة، وقطبا من أقطاب الزهد والتصوف والصلاح، فصار يتحلق حوله المريدون، ويتكتل بين يديه الأتباع، ممن عجت بين أعدادهم آمال التغيير لما كان يعيشه مغرب القرن الثالث عشر الميلادي من أطماع خارجية في ثغوره وخيراته.
وطبيعي أن يشكل الإمام الجزولي أفقا ملحوظا ومعتبرا من آفاق النهضة المغربية آنذاكـ ، وعلما من أعلام بث الحس الديني والوطني ، مما كان انسجاما فكريا وعمليا مع مشروعه النابع من ثقافته الصوفية و الدينية التي أسست لما سيصبح معروفا بالطريقة الجزولية، والتي أحدثت مسلكا جديدا في مجال التصوف داخل المغرب وخارجه…

وعلى كل حال، فإن أبا عبد الله محمد بن عبد الرحمان بن أبي بكر بن سليمان السملالي السوسي الشهير عند العموم بــ “سيدي ابن سليمان”، نسبة إلى جده الثاني سليمان، يظل من أعلام التصوف المغربي والإسلامي، فقد انتهت إليه الطريقة الشاذلية في عصره، وعنه تفرعت جملة من الطرق كالطريقة التبَّاعية والغزوانية والفَلاحية والبَكرية والعِيساوية والشرقاوية والبوعمرية.


فقد أكد صاحب شجرة النور الزكية في طبقات المالكية”، المؤرخ الفقيه أحمد مخلوف المتوفى سنة 1360هـجرية ، ، أن سيدي محمد بن سليمان الجزولي شريفا حسنيا وأنه فقيها جامعا، وأنه الإمام شيخ الإسلام في عصره وما تلاه من عصور، وأنه علم الأعلام، وأنه كان عالما شيخا كاملا، عارفا بالله واصلا لملكوته، وأنه صاحب كرامات كثيرة، ومناقب شهيرة، أخذ عن أئمة علوم الظاهر كما تتلمذ على أقطاب علم الباطن وأنه انتفع بهم ونفع منهم، وقد تتلمذت على يده بدوره أعداد كثيرة من العلماء والمحدثين والفقهاء والمؤرخين والنحاة والبلاغيين والزهاد والمتصوفة، وانتفعوا بعلمه وبدروسه، فقد اجتمع بين يديه فيما يذكره المؤرخون من المُريدين ما يزيد على الاثنى عشر ألفا، منهم أحمد بن عُمر الحارثي المكناسي، والشيخ عبد العزيز الحرار التباع أحد رجالات مراكش السبعة، وأبو عبد الله الصغير السهيلي، ثم عن هؤلاء الثلاثة أخذ كل من القطب أبو عبد الله محمد بن عيسى المكناسي الولي المشهور العارف بالله ،صاحب الطريقة العيساوية، وأبو العباس أحمد بن سعيد، وأخوه محمد بن سعيد يرحمهم الله .
:
وطبيعيٌّ، فقد قصد الجزولي مدينة فاس لطلب العلم، فنزل بحي الصفارين منها فيما يذكره المؤرخون، ومكث يعيش في حياة من عزلة وتأملات، إذ لم يكن يُدخل أحدا إلى غُرفته التي كان يخلو فيها بنفسه، وقد نقش على جُدرانها عبارة الموت، الموت… ، وقد لقي في فاس، سيدة تقية عارفة ببعض أسرار الله الخفية، فلما رأى من كراماتها ما رأى سألها من أين لها ذلكـ ، فأجبته انه من كثرة الصلاة على رسول الله، مما سيصبح لاحقا أساس طريقه وطريق أتباعه، وخصوصا كتاب شيخهم الجزولي “دلائل الخيرات” فقد كانوا مواظبين عليه، ومُعتنين به، ومُستصحبين له في حلهم وترحالهم.
ومع ذلكـ ، فلم يطب للجزولي فيما يذكره الرواة المُقامُ في فاس، وإن كانت مدينة تعج بالعلم والعلماء، ولم تسعفه متطلبات الإستقرار بها، ولم يجد خلال هذه الرحلة الأولى لها، بفاس شيخا مربيا يمكنه سلوك طريق العرفان على يديه، أو ليألف له، ويتعلم على يديه، فأضطر الجزولي للسفر إلى المشرق حيث قضى سبع سنوات، متصلا بالعلماء وحاضرا لحلقات الشيوخ المربين، وتحدد الروايات أنه طاف في مدن الحجاز من مكة المكرمة والمدينة المنورة وفي مصر حيث دأب على حضور دروس الشيخ عبد العزيز العجمي بالأزهر، ثم رحل إلى مدينة القدس.
ويبدو أن الجزولي لم يعثر على ضالته في العلم والعرفان مع طول أمد جولته التي راوحت العقد من الزمن، مكنته من الإطلاع على تنوع الشيوخ وعلومهم وعلى تباين المدن خلال الإقامة بها وزيارتها، فقفل عائدا إلى بفاس من جديد، وكان العلم بفاس أكثر من الحصى عند جمرات العقبة، وإن كان الأمر قد اختلط على بعض من أرخوا للجزولي ، فلم يميزوا بين رحلته العلمية الأولى، ورحلته الثانية إلى فاس…. فقد التقى بالإمام المغربي الشيخ زروق أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي صاحب الشروحات المعتمدة عند المالكية في مشارق الأرض ومغاربها، دفين مدينة مصراتة الليبية، فتتلمذ على يده ، ثم أرشده إلى أبي عبد الله محمد أمغار الصغير الشيخ المربي، والمُعين على سلوك الطريق العرفاني.

إلى ذلكــ ، فقد جاء في كتاب “إظهار الكمال في تتميم مناقب سبعة رجال” لمؤلفه عباس ابن ابراهيم المراكشي يرحمه الله ، والمتوفى سنة 1959 للميلاد، وهو كتاب من أهم كتب المناقب التي تناولت حياة وكرامات ومناقب وعلوم سبعة رجال مراكش خصوصا، أن الإمام الجزولي جمع كتابه الشهير “دلائل الخيرات”من كُتب خزانة جامعة القرويين بفاس، وقصد رضي الله عنه فيه، كما قال الشيخ الإمام محمد العربي بن يوسف الفاسي رحمه الله ، جمع المروي من ألفاظ الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، عنه صلى الله عليه وسلم وعن غيره من صحابته وفُضلاء أمته، والاقتداء بهم، والتبرك بأتباعهم، وذلك كله لحُسن نية الجزولي رضي الله عنه .

فقد قضى سيدي محمد بن سليمان الجزولي رضي الله عنه قرابة العقد من الـزمن في فاس قبل أن يرحل للإتصال بالعارف سيدي الشريف محمد أمغار،و تلقى على يديه الطريقة الشاذلية العلية ، وأفلح بمجالسته و فاز بملازمته ودخل بأمره الخلوة بثغر أسفى وقضى بها نحو أربعة عشر عاما ثم خرج منها بأمره كما دخلها و قد ازداد جلالا إلى جلاله و كمالا إلى كماله، فاستنارت ببركته الأقطار، وأشرقت بصباح وجهه الأنوار و فاحت بروائح طيبة الأسرار، وتاب على يديه خلق كثيرون، وتلقى منه الذكر والأوراد مالا يحصيهم إلا رب العباد، وانتشر ذكره فى الآفاق ورويت عنه الشمائل الجسيمة والمناقب الفخيمة التى يحار فيها ثاقب الذهن وزكى الألباب . وكان طول وقته مشتغلاً بالذكر سيما بالصلاة على سيد الوجود صلى الله عليه وسلم ، وجمع في ذلك كتابه (دلائل الخيرات)والذي كان سبب قيامه بتأليفه.

كما أورد النبهانى فى مصنفه الشهير “جامع كرامات الأولياء ” أن سيدى محمد الجزولى حضره و قت الصلاة فقام يتوضأ , فلم يجد ما يخرج به الماء من البئر , فبينما هو كذلك إذ نظرت إليه صبية من مكان عال , فقالت له : من أنت ؟ فأخبرها , فقالت له : أنت الرجل الذى يُثنَى عليك بالخير , و تتحير فيما تخرج به الماء من البئر، و بصقت الصبية فى البئر ففاض ماؤها على وجه الأرض ، فقال الشيخ : أقسمت عليك بم نلت هذه المرتبة ؟

فأجابت : بكثرة الصلاة على من كان إذا مشى فى البر الأقفر تعلقت الوحوش بأذياله صلى الله عليه و سلم . فحلف يمينا أن يؤلف كتابا فى الصلاة على النبى صلى الله عليه و سلم .
فكان له ما أراد فأتم تأليفه و ختمه مع المريدين مئات الآلاف من المرات عبر الأيام و الليالي المتواليات ، و كان عدد المريدين الذين اجتمعوا بين يديه قد وصل اثنى عشر ألفا وستمائة و خمسة و ستين مريداً جذبتهم إليه نوافح الصلاة على خير البرية ومدد طريقته الشاذلية، ولكن كل ذلك لم يجعله يركن إلى جاه أوأتباع ولم يصرفه عن شغله بالحبيب المصطفى فقد حن قلبه لزيارته و مجاورته بمدينته الطيبة ، وهكذا ذهب في ركب الحجاج إلى مكة المكرمة وبعد أداء شعائر الحج يمم شطر مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتم له مقصوده الأسنى بالزيارة والمجاورة لمحبوبه الأعظم عليه الصلاة و السلام ثلاث سنوات , عكف فيها على قراءة كتابه ” دلائل الخيرات ” . فى تلك الفترة خلع عليه النبى صلى الله عليه و سلم اسم : “زين الصالحين” و ذلك عندما وقف تجاه الروضة المشرفة محييا سيد الكائنات صلى الله عليه و سلم بقوله : السلام عليك يا زين المرسلين . فأجابه النبى صلى الله عليه و سلم بقوله : و عليك السلام يا زين الصالحين . بصوت عال سمعه من كان حاضرا من الزائرين.

وقد أخذ سيدي محمد بن سليمان الجزولي عهد الطريقة الشاذلية عن شيخه أبي عبد الله محمد أمغار عن سعيد الهرتناني عن أبي زيد عبد الرحمن الرجراجي عن أبي الفضل الهندي عن أحمد عنوس البدوي عن أحمد القرافي عن أبي عبد الله محمد المغربي عن أبي الحسن الشاذلي عن عبد السلام بن مشيش عن أبي محمد عبد الرحمن بن الحسين الشريف العطار المدني الزيات عن تُقَيُّ الدين الفُقَيَّر النهروندي الواسطي العراقي عن فخر الدين عن أبي الحسن علي نور الدين عن تاج الدين التركماني عن محمد شمس الدين التركماني عن زين الدين القزويني عن أب اسحاق ابراهيم بن أحمد بن إسماعيل الخواص السامرائي البصري عن أبي القاسم أحمد المرواني عن أبي محمد سعيد الصافي عن سعد عن أبي محمد فتح السعود عن سعيد الغزواني عن أبي محمد جابر عن الحسن بن علي رضي الله عنهما عن سيدنا علي بن ابي طالب كرم الله وجهه عن سيد الوجود ونور الشهود سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم
ويجمع مختلف المؤرخين أن سيدي محمد الجزولي لما عاد من رحلته اتخذ أسفي مقاما فجعلها مقرا لسكناه ، وهي مدينة الولي أبي محمد صالح رضي الله عنه ، . لكنه لم يطق المكوث فيها لإشاعات راجت حوله وحول طريقته ومريديه وسعي به أعداؤه للسلطان ، فلم يجد إمامنا رضي الله عنه و نفعنا ببركته مأمنا وملاذا سوى في بلده( جزولة) ، وبقي هناك إلى أن توفى بها – مرشداً وداعياً إلى الله تعالى بطريقته الشاذلية وناشراً لصلاته من خلال “دلائل الخيرات” فذاع أمره وعم خبره، وانتفع به الخاص والعام وملأت صلاته فجاج الأرض وتداولها أهل المحبة في كل بقعة .
ورغم أن كتاب دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار، لمحمد بن سليمان الجزولي، قد إكتسب شهرة واسعة في الأوساط الصوفية بمختلف دول العالم، مما جعله محط اهتمام كثير من الفقهاء والزهاد والنساكـ والعلماء قديماً وحديثاً، وخصوصا الصوفية منهم، فجعلوه جزءاً من أورادهم التي يقرأونها صباحاً ومساءً، ومهما يكن فقد بذل حكام المسلمين وأمراؤهم سواء بالمغرب أو في بلدان المشرق جهودا في نسخ هذا الكتاب، وفي توزيعه بين الناس، وكان آخرهم السلطان العثماني عبد الحميد في المشرق، وملوكـ الدولة العلوية في بلاد المغرب، ولقد قسم الجزولي هذا الكتاب على سبعة أقسام، على عدد أيام الأسبوع، لكل يوم صيغ من الصلاة على النبي، وجعل كمقدمة لهذا الكتاب دعاء بأسماء الله الحسنى وذكر لأسماء رسول الإسلام محمد بن عبد الله، حيث يتضمن “دلالئل الخيرات” كتاب الزهد وكتاب “النصح التام لمن قال : ربي الله”، ثم استقام وكتاب “عقيدة الإمام الجزولي”ثم “رسالة التوحيد” ورسالة “أجوبة الدين والدنيا” وحزب “سبحان الدائم القائم”، وحزب الفلاح وحزب الحمد .
وقد أراد الله لهذه الحياة الحافلة المثمرة ، أن تتوج بالشهادة فكانت خير ختام، إذ مات الشيخ الجزولى مسموماً وهو ساجد فى صلاة الصبح فى 16 ربيع الأول سنة 870 هجرية الموافق لــ 6 نونبر 1465بأفوغال وبها دفن .

وبعد سبع و سبعين سنة من وفاته جاء رجال يحملون الفؤوس والمعاول و فتحوا قبره بأمر من السلطان السعدي أبو العباس أحمد المعروف بالأعرج الذي نفذ هو الآخر أمر والده الأمير أبي عبد الله القائم وهو أول مؤسس للدولة السعدية ، حيث كان الأمر يتعلق بنقل رفات الإمام الجزولي إلى مراكش و إعادة دفنه بها، و فعلا تم ذلك و دفن الجزولي بالحي المعروف حاليا بإسمه على مقربة من حي رياض العروس.
وقد أورد سيدي المهدي الفاسي القصري في “الممتع” “إن سيدي الجزولي جمع بين الصديقية العظمى و الشهادة لأنه مات في جزولة مسموما ، وأنه قبل ذلك كتب على جدران بيته هناك كلمة ، “الموت ” مئات المرات حتى غطت الكتابة كل الجدران ، و من كرامته أنه بعد مماته ، وهم يكشفون عن جسده الميت بعد سبع وسبعين سنة ، وجدوا الإمام رضي الله عنه لم يتغير منه شيء، حتى أن أثار حلق لحيته ورأسه مازالت على حالها، كما كانت يوم مماته، وحين وضع أحدهم أصبعه على وجهه المورد، انحصر الدم تحت الأصبع ، وبعد أن رفع الأصبع رجع الدم إلى موضعه، تماما كما يحدث بالنسبة لرجل حي ، حسب ما أثبته المؤرحون وأورده تلاميذته والرواة بالسند عن شيوخهم، ومن عاصر الحدث النابع من كرامة الجزولي حتى بعد موته بسبعة عقود.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.