حي الواد الحار ببوعرفة، جحيم مكشوف على الأرض

حـسـن حـمـدان :

كأنه من مخلفات عصور الظلام، يشكل حي الواد الحار أو حي “معدر لمصارين” أو حي “بوخرارب” أحد أفدح الأحياء الهامشية و العشوائية التي ظهرت في إطار التوسع العمراني ببوعرفة، خاصة بعد الهجرة الداخلية التي عرفها الإقليم، و الذي عاني من جفاف بنيوي طيلة سنوات ، ويضم هذا الحي حاليا ما يقرب من 250 أسرة ، وقد تأسس الحي بعد إنشاء شبكة الصرف الصحي ببوعرفة سنة 2004 بالقرب من مصب الواد الحار.

 

وعلى مستوى السكن، فإن المساكن بحي الواد الحار، تكشف عن وجهها القبيح،والمشير إلى كونهاتحت مستوى المساكن التقليدية ، إذ تبدو مبنية بمواد بسيطة كالحجارة والطين والقصب والزنك ،وتسمى في اللهجات المحلية ” الكرابة Graba ” حيث لا تتوفر مطلقا على أبسط العناصر التي تنص عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ، فهي غير صالحة للسكن أصلا ، وتوجد في موقع بعيد عن المدينة ، كما تفتقد لكل الخدمات والمرافق والهياكل الأساسية من ماء وكهرباء وغيرهما، وهي غير ملائمة من الناحية الثقافية نظرا لطابعها البدائي.

هــذا، ويقع حي الواد الحار بين مصبين للمياه العادمة : فمن جهة المصب الكبير للمدينة والمصب الفرعي للسجن المحلي وجزء من حي الواد الشرقي ، لذلك فالروائح الكريهة تزكم الأنوف من كل جانب وفي كل الفصول، وهو ما يؤدي إلى الإصابة بأمراض الحساسية والجلد والعينين ، على اعتبار أن المكان ملائم لتكاثر الذباب والبعوض ، وترتفع نسبة احتمالات الإصابة بالأمراض خاصة بالنسبة للأطفال ، ومن لديهم مناعة ضعيفة. كما يزداد الأمر استفحالا إذا استحضرنا أن المياه النظيفة والصالحة للشرب يتم شراؤها بأثمنة مرتفعة وجلبها بواسطة حاويات cétènes .

إضافة لذلك ، فإن المياه العادمة تستعمل للسقي ، حيث يتم توزيعها بين الساكنة لاستغلالها في سقي الشعير ونبات يدعى “زايمو” للحصول على أعلاف للماشية ، وهو ما يشكل خطرا على صحة الإنسان والماشية معا.

وللإشارة، فقد أقيمت بالقرب من مصب الواد الحار محطة للتطهير من طرف المكتب الوطني للماء الصالح للشرب وهي محروسة و محاطة بسياج ، إلا أن هذه المحطة هي مجرد اسم فقط ، فهي لا تقوم بدور المعالجة لإعادة استغلال المياه العادمة في أغراض مختلفة ، بل دورها يقتصر فقط على تجميع المياه في صهريج كبير ، وتفريغها لتستعملها الساكنة في الأغراض” الفلاحية ” السالفة الذكر.

وتجدر الإشارة أنه بالإمكان تخليص الساكنة من الأضرار الناجمة عن الواد الحار بشراكات تبرم مع ممولين في الداخل والخارج ، فتستفيد البلاد والعباد.

ورغم أن الدستور المغربي ينص على مساواة المواطنين أمام القانون ، إلا أن التمييز هو سيد الموقف بحي الواد الحار ببوعرفة ، فقد اغتنى البعض حسب إفادات مصادر حقوقية وجهات مجالية متابعة، جراء التسيب والفوضي والصمت والتواطؤ وذلك بإقامة تجزئات سكنية قرب المصب و ببيع الأراضي للمحرومين من السكن مقابل تسليمات مصادق عليها،  حيث يتم كل ذلك أمام أنظار السلطات المحلية وأعوانها من مقدمين وشيوخ، رغم أن الأرض هي أرض سلالية، وغير قابلة للبيع كما هو منصوص عليه في ظهير 1919 المنظم للأراضي الجماعية .

كما تبرز أفدح مظاهر التمييز، من خلال السماح للبعض بالبناء أمام الجميع نتيجة إستغلال النفوذ والطرق الملتوية وغير المشروعة ، بينما يتم تهديم المساكن على رؤوس ساكنتها البسطاء من أبناء الشعب.

وعلى اعتبار أن حي الواد الحار يبعد عن أقرب مؤسسة تعليمية بثلاث كيلومترات تقريبا ، فإن هذا يؤدي إلى التعثر والتحصيل الدراسي بالنسبة للتلاميذ ، وخاصة الإناث منهم ، مما يتسبب في الهدر والانقطاع المبكر عن الدراسة ، وعلى الرغم من وجود حافلات للنقل المدرسي ، فإنها غير متاحة للجميع ، بحكم أن الواجب الشهري يقدر بــ 100 درهم للتلميذ ، وهو ما يعتبر فوق احتمال بعض العائلات المعوزة ، خاصة الأطفال ممن ينحدرون من الأسر النائية عن هذه المؤسسات التعليمية والرازحة تحت وطأة الهشاشة والفقر، في تباين مكشوف لدى الساكنة يصل إلى درجة التناقض ، فالبعض يطالب بإعادة الإيواء وتوفير سكن لائق يضمن الكرامة الإنسانية بعيدا عن الروائح الكريهة والحشرات ، فيما البعض الأخر يفضل البقاء في عين المكان ،بحكم أن الأرض التي يستفيدون منها واسعة ، وتمكنهم من تربية المواشي والدواجن ، حيث يدبرون حالهم اقتصاديا من خلال توزيع مياه الواد الحار والاستفادة منها في أغراض ” فلاحية “.

وبالنسبة لهذا الصنف الأخير فإنهم رفضوا تحويل المصاب ، وأرسلوا عريضة احتجاجية مرفقة بالتوقيعات لوقف هذا التحويل على أساس أنه سيضر بالأراضي الفلاحية الكائنة بالمنطقة التي تسمى ” المعدر “.

في ذات السياق، ونتيجة للارتفاع المتزايد للطلب على السكن ، فإن حي الواد الحار لم يسلم من المضاربة العقارية ، وهذا ما نجم عنه ظهور مساكن عشوائية كالفطر ، وعليه فعلى الدولة أن تتحمل مسؤوليتها كاملة لضمان الحق في السكن للجميع كما هو منصوص عليه في الفصل 31 من الدستور ، ووضع حد للوبيات العقار التي اغتنت على حساب عوز وحاجة المواطنين ، كما من واجبها أيضا حماية الأراضي الجماعية من النهب والسرقة، واستغلالها في مجال التنمية والنهوض بأوضاع الساكنة .

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.