ليلى الرهوني،وحفريات التاريخ المغربي العميق وآثاره على الحضارات المتوسطية

مـحـمـد الـقـنـور :

تعتبر الدكتورة ليلى الرهوني الأستاذة الجامعية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة إبن زهر في أكادير،ورئيسة منتدى فنون للإبداع والثقافة، خريجة جامعة السوربون بباريس، سيدةً متعددة الإهتمامات العلمية والفنية، وإحدى رموز البحث التاريخي على المستوى الوطني والعربي ، فبديناميتها المستمرة وعزيمتها البناءة ومواظبتها الممنهجة على التصنيف المعرفي والبحث العلمي، متسلحة في كل ذلك بقيم التواضع،والتضحية وبثقافة المواطنة، وعمق الوطنية، تُعطي الرهوني بذلكـ المثال الحي للأستاذة الباحثة ، وللعالمة المميزة التي تناضل من أجل الإرتقاء بالبحث العلمي المرتبط بالهوية الوطنية والإشعاع الحضاري المغربي ، والعمل تأهيل العمل العلمي المنبثق من التشخيص والبحث العلمي والتواصل مع المهتمين والمهتمات في طموح ومثابرة لجعل التاريخ المغربي القديم في مقدمة الوجهات العلمية الأكثر جاذبية، ومن خلال شغف ظاهر، لا تخطئه العين، يجعل من الدكتورة ليلى الرهوني إلى جانبها تخصصها في التاريخ والبحث التاريخي ، باعا ملحوظا في خلق الأحداث الثقافية والتواصلية كمديرة لمهرجان فنون الشعر المغربي، باللغتين العربية والفرنسية، مما يمكنها من ثقافة متنوعة ، فضلا عن إلمامها الواسع بالمجالات المتعلقة بأسرار الثقافة المتعلقة بفنون العيش المغربي.

ففي كتابها الجديد، “المغرب مظاهر تاريخية وحضارية”AL MAGHRIB ,Linéaments Historiques et Civilisationnels ،الصادر عن مطبعة فنون، في 165 صفحة، من الحجم الكبير،  تبحر الباحثة ليلى الرهوني في التاريخ المغربي العميق ضمن أليات بحث وإستقصاء شغف منوط بالعزم خدمةً للثقافة المغربية، وفي سياق بحث علمي يعتمد التحري والإثبات لتلقي الضوء على مختلف الاسماء ومعانيها التي عرف بها المغرب سواء على مستوى تموقعه الجغرافي، أو دلالات هذه الأسماء المغربية التي ساهمت فيما سيعرف لاحقا بثقافة حوض البحر الأبيض المتوسط، لتجزم أن المغرب ككيان سياسي وكبوثقة حضارية، وثقافة عريقة، كان لها إسهاما ملحوظا في هذه الثقافة المتوسطية، ظهر جليا في منظومة الأساطير اليونانية، وفي حصر الأمكنة هنا وهناك بضفتي حوض المتوسط .

وتَخْلُصُ الرهوني إلى أن المغرب ليس إلا كلمة Mouhrim و معناها الغرب عند قدماء اليونان ، وان “أطلنتيس” les atlantes كجمهورية فاضلة، ومتطورة إستقاها أفلاطون من الميثولوجيا الإغريقية ، نسبتها واضحة إلى “اطلس” و إلى جزيرة Atlantide، وإلى “طنجيس” المغربية زوجة وحبيبة هرقل.

وخلال ذات الكتاب، تصل ليلى الرهوني في بحثها، إلى أن المغرب سمي باسماء وحدة لغوية ثقافية و دينية في اطار شمال إفريقيا بــ “ليبيا”، نسبة إلى الهة شهيرة، في الأساطير والملل الإغريقية القديمة عرفت بإسم اولبيا ، وكانت حسب هذه الأساطير، معشوقة للإله بوسايدون Poséidon إله البحر لدى قدماء الإغريق، والرومان لاحقا، كما أن أفريقيا كانت إلهة للسفر و التجارة وإلهة للأسرة..
في حين يتعلق الجزء الثاني من كتاب الدكتورة ليلى الرهوني بالكتابة وبطرق إستعمالها عبر مختلف اللغات و في كل المجالات من طرف المغاربة كالكتابة بالبونيكية والاتينة و الاغريقية.


اما بالنسبة للجزء الثالث من الكتاب فيتطرق إلى مظاهر الحضارة العمرانية في المغرب وما أنشأته من مدن مورية نسبة إلى “المورو” المغاربة الأقدمين،كمدينة تمودة، وطنجة، وتاموسيدة، وزليل، وبناصا، ووليلي، وشالة، واللوكوس وغيرها.
والواقع، أن تاريخ المغرب القديم، قبل الحقبة الإسلامية، ظل مجهولًا إلى حدٍّ كبير، ولم يحظ باهتمام المؤرخين إلا في عهد الاستعمار،ضمن كتابات إستشراقية مغرضة، كانت تروم إعلاء كلمة الضفة الشمالية على أهمية الضفة الجنوبية، خدمة لفكرة “عبء الرجل الأبيض” الذي روجت له الأطروحات الفكرية الإستعمارية،وجعلت هذه الفكرة العديد من المستشرقين الأوروبيين على دراسة الآثار المتواجدة في المغرب وفي شمال إفريقيا، وإستنادا على مستحثات وبقايا ومخطوطات، دون أخرى، سهّلت على حد تعبيرهم إضاءة أجزاء مظلمة من تلك الحقب الغابرة من التاريخ المغربي.


ومن خلال كتاب الدكتورة ليلى الرهوني ، يتضح أن الوجود الحضاري بالمغرب ، يعود إلى جذور ضاربة في التاريخ السحيق، على غرار المجتمعات البشرية الحية، التي إستطاعت أن تطور حياتها الاقتصادية والإجتماعية والروحية جيلًا بعد جيل، كما يبرز أن المغرب تفاعل تأثرا وتأثيرا مع مختلف الحضارات المتوسطية الأخرى، سواء عن طريق التجارة أو الحملات العسكرية، أو المؤثرات الثقافية ، وأنها غرست جذورها في البيئة المغربية،كما وضع المغرب بصماته عليها ، نتيجة موقعه الجغرافي من جهة، وبسبب قدرة المغاربة عبر الأزمنة التاريخية السحيقة في التأثير على الحضارات المتوسطية ، وحضارات ما وراء الصحراء الكبرى في أفريقيا، وحضارات البحر الأبيض المتوسط.
كما تنخرط الدكتورة ليلى الرهوني ، المزدادة في مدينة الرباط، ضمن حلقة ليست بالكبيرة في ثلة من الباحثين والباحثات المغاربة المعبئين داخل نطاقات البحث العلمي الحضاري والثقافي من أجل الإسهام من مواقعهم في جهود تطوير آليات الملامح الأكاديمية العلمية.
وإذا كانت ملامح النجاح في حياة هذه السيدة بادية للعيان، فإن ذلك لم يأت بمحض الصدفة ولا نتاج إرادة متراخية. فشأن الحياة الأكاديمية لديها لا يخلو من الإكراهات والعوائق، ولكن السر يكمن في العمل الجاد، الذي لا يتوانى، لتحقيق الأهداف المنشودة، وفي التحلي بالشجاعة الأدبية، الجرأة في إختراق عوالم العالم القديم، والثقة بالنفس، هي المميزات التي ترسم معالم شخصية الباحثة الدكتورة ليلى الرهوني، يجعلها جديرة بحمل هذا اللقب، ومساهمة في إبراز صورة المرأة المغربية المعاصرة، الكفؤة والمنفتحة على محيطها الثقافي وتاريخها وعلاقاته الحضارية المؤسسة على عوامل التلاقح والتثاقف، مما جعلها تفرض مكانتها لدى الدوائر الأكاديمية ، وداخل المجتمع الثقافي، وتشق طريقها بكل انضباط وقوة عزيمة من جهة، وبحضورتواصلي ورقة وأدب في التعامل من جهة أخرى، جعلت الرهوني، تشق طريقها بخطى ثابتة وواثقة في عوالم البحث الأكاديمي التاريخي والأنتروبولوجي في ميدان كان بالأمس القريب حكرا على قلة من الرجال.

هذا، وتخبرنا الدراسات العلمية، أن وجود الإنسان الحديث على أرض المغرب، يعود إلى “الهوموسابيان” كجذور عميقة في تاريخ البشر ، المقدر عمره بـ 200 ألف سنة تقريبًا.

والحق، أن  كتاب الرهوني يجد سندا ماديا علميا وواقعيا لما تضمنه من بحث علمي ، خصوصا بعد عثور فريق من العلماء على مستحاثة بشرية بجبل “إيكود”، قرب مدينة اليوسفية، في عام 2003،تبين بعد دراستها، أنها ترجع إلى 160 ألف سنة ماضية، وتعود لطفل عمره سبع أو ثماني سنوات، لا يختلف تشريحيًّا عن إنسان اليوم، كما ذكرت مجلة «PNAS» الصادرة عن الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية، في مقالة علمية نشرتها آنذاكـ ، مما جعل العلماء المختصون يعتبرونه دليلا أثريا، حول البداية الأولية لاستقرار “الهوموسابيان” كإنسان حديث في شمال أفريقيا، بعدما ظهر لأول مرة مع “سالي” في إثيوبيا قبل 190 ألف سنة، علمًا بأن حفرية “سالي”تعود لإنسان «الهومو إريكتوس»، وأنها اكتشفت، قبل 400 ألف سنة ماضية.

تعود هذه الحقبة إلى ما بين 20 ألف و130 ألف سنة ماضية، ويعود أقدم آثار صنعها إنسان في المغرب لتلك الفترة، وهي عبارة عن قطع حجرية يقترب شكلها من الشكل الكروي، غير أنها مضلعة ومتعددة الزوايا في الحواف، تم إيجادها بموقع «عرباوة» شمال سهول المغرب، ودوار «الدوام» قرب مدينة الرباط، وموقع «قرديجة المرجلا» بنواحي غابة المعمورة. كما وجدت رسومات سطحية في كهوف بالمغرب، مثل مغارة «الهرهورة» ومغارة «دار السلطان».

ولا تستبعد مجمل الدراسات، أن الإنسان القديم من ساكني المغرب في تلك الفترة كانوا يعيشون مرحلة جمع الثمار، ويستقرون بالكهوف والعيون والأودية، وصنعوا أدوات حجرية مدورة وفؤوس يدوية، كما استعملوا الأخشاب والجلود والعظام وبيض النعام، كما بدأ الإنسان يرسم مجسمات تنم عن بداية إدراكه للبعد الميتافيزيقي.

ويحدد علماء الآثار هذا العصر في 1600 قبل الميلاد، تميز بظهور الزراعة واستقرار الإنسان بعد أن كان مترحلًا، وعرفت الفترة بتدجين الحيوانات، وصناعة الخزف، واستعمال المعاول والحراب والفؤوس والحراب والنصال الحجرية المتطورة، كما بدأ يظهر مجتمع القرية، مما أدى إلى ظهور كيانات جنينية لحضارة الأمازيغ، مدعومة بثقافة ومدنية متفاعلة مع محيطها الخارجي .

ويستدل المؤرخون على هذه السمات بحفريات أثرية تمت سنة 1984، بموقع «كهف تحت الغار» قرب مدينة تطوان، وكشفت استقرار مجموعات بشرية، وقبل ذلك سنة 1980 تم العثور على بقايا إنسان وأوانٍ خزفية، وأوانٍ من العاج وحلي من العاج، في مقبرة الروازي بمدينة الصخيرات، مثلما عثر على تمائم مشكلة من درع سلحفاة، ومقابر تحتوي متوفين مع حاجيات بكهف “آشكار”.

تلت هذه الحقبة عصر المعادن، عندها سيظهر استعمال ساكني المنطق لمعدن النحاس، والحديد، والبرونز.
يرجع المؤرخ بلينيوس بدايات تواجد الفينيقيين بالمغرب إلى حوالي نهاية القرن الثاني عشر ق.م.، تتسم هذه الحقبة بظهور مجتمع الحضارة، وتطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية والمعمارية، حيث استوطن الفينيقيون السواحل المتوسطية لشمال أفريقيا، بعدما نزحوا من فلسطين.
ومهما يكن، فقد تميزت الحضارة الفينيقية بتجارتها الواسعة وملاحتها البحرية وانفتاحها مع الأمم الأخرى، فكانت لها روابط وطيدة مع الحضارة الإغريقية حينئذ، وكانت منطقة أكادير كـ كلمة فينيقية إنتقلت إلى الأمازيغية ، وتعني القلعة، وتصغيرها “تاكديرت” بمعنى خزان الحنطة والحبوب، أول محطة لها في المغرب في القرن الثامن قبل الميلاد.
كما لم يعرف لدى الحضارة الفينيقية حضور سياسي بقدر ما كان لها نشاط تجاري، إذ إن المناطق غير الساحلية بالمغرب بقيت بعيدة عن السيطرة الفينيقية، حيث كانت تعيش القبائل الأمازيغية على الرعي والزراعة.

في الوقت الذي كانت فيه الحضارة القرطاجية تحكم تونس وأجزاءً من الجزائر، خلال القرن الخامس قبل الميلاد، كانت ثلاث حضارات تحكم المغرب، دمجت بين الفينيقيين والبربر، وهم الموريون الذين كانوا يعيشون في أقصى الغرب، ومملكة نوميديا التي كانت تحكم الوسط والشرق، في حين كان الجيتيليون يسيطرون على الصحراء.

ظهر التأثير القرطاجي القادم من الفينيقيين في هذه الحضارات الثلاث التي اقتسمت المغرب، وبدا ذلك جليًا في عادات الدفن وما يصحبه من طقوس ومن مراسيم، وفي انتشار اللغة البونيقية.

وقد دخل الرومان في صراع مرير مع القرطاجيين، طوال القرن الثالث قبل الميلاد، وانتهت المعركة بتدمير الرومان قرطاجة سنة 146 قبل الميلاد، وألحقت روما ، أطرافا من مملكة نوميديا المستقرة بالمغرب داخل إمبراطوريتهم، فيما بقيت المملكتان الأخيرتان شبه مستقلتين.
وقد جلب الرومان معهم معارفهم ونظمهم الاقتصادية والسياسية والعمرانية، التي ورثوها من حضارة أثينا، ومن حضارة فنيقيا ومن الحضارة الفرعونية والهلينية التي أسسها الأسكندر المقدوني ومن البطالمة ممن إستحودوا على حكم مصر، وقاموا بها بتهيئة مدن عديدة على النمط الروماني، وأنشؤوا مراكز عسكرية تطل على البحر.
ولقدعرف المغرب في هذه الفترة انفتاحًا نحو التجارة مع بلدان البحر الأبيض المتوسط، غير أن مملكة النوميديين سرعان ما ثارت ضد الرومان المستعمرين، ودخلوا معهم في حروب لعقود، إلى أن تخلت الإدارة الرومانية عن مناطق المغرب باستثناء سلا وأكادير سنة 258م، ثم تلاشى الوجود الروماني بشكل تام من المغرب خلال القرن الخامس الميلادي.

والواقع، أن المغرب كما يستشف من كتاب الرهوني ، قد شهد حالات من التمدن والمدنية، ومن تطور النشاط الزراعي وتقنيات تدبير المياه ومن التألق التجاري خلال هذه الفترة، كما انتشر لاحقا الدين المسيحي به، وبالرغم من أن الفينيقيين كانوا قد أسسوا مراكز حضارية على السواحل المغربية، ظل لها إشعاعا إستراتيجيا وتجاريا، إلى فترة الحملات الإسلامية لدخول المغرب التي إستمرت نصف قرن من المعارك مع الأمازيغ .

وفي سياق مماثل، لكتاب الدكتورة ليلى الرهوني، الذي إنصب على الحفر في التاريخ السحيق للمغرب والمغاربة وعلى مستوى كل مناطق شمال إفريقيا، بكل إحترافية علمية وإقتدار في البحث وفي متابعة الدلالات والروابط الحضارية والمؤثرات ، وما عرفه المغرب خلال فترات ما قبل التاريخ حتى يومنا هذا من تعاقب ونشر عدة حضارات، أبرزها الحضارة الآشولية، والموستيرية، والعاتيرية، والإيبروموريزية، والفينيقية، والموريتانية الطنجية، والرومانية والوندالية.

فمن المعلوم ، أن الحضارات المغربية الإسلامية، إبتدأت مع تأسيس الأدارسة لأول دولة إسلامية في المغرب سنة 788 ميلاديًّا، على يد إدريس بن عبد الله، الذي دخل حاضرة وليلي الرومانية فارًا من بطش العباسيين بعد معركة فخ في ضواحي مكة، واحتضنته قبيلة آوربة بوليلي وزرهون الأمازيغية، واستقر حاكما لها، وقد تمغربت الدولة الإدريسية شكلا ومضمونا، وبعد انهيارها، جاء المرابطون القادمون من قبيلة لمتونة الصحراوية، فبنوا دولتهم سنة 1069م، وكانت أغمات مركزا أوليا لها، ثم مراكش عاصمتها ، وتمكنوا من الوصول إلى مجمل شمال أفريقيا والأندلس بحلول 1086م. ليأتي المهدي بن تومرت، من قبائل مصمودة بالأطلس، ويطيح بدولة المرابطين، متهمًا إياها بالخروج عن العقيدة الصحيحة، ليؤسس دولة الموحدين سنة 1147م، التي سيطرت على شمال أفريقيا والأندلس في إطار دولة إيديولوجية صارمة في تدبير شؤون الحكم وقضايا التعليم وفي تأسيس الحضارة.
ثم جاء المرينيون سنة 1269م، وحكموا قرنين، والوطاسيون وكانت دولتهم من الضعف والإنقسام بما كانت ، ثم بعدهم السعديون سنة 1525م، ممن اشتهروا بالعمران والتشييد والصناعات وبانتصارهم الساحق على البرتغال وجيوش اوروبا الصليبية في معركة وادي المخازن، لتأتي الدولة العلوية على يد مولاي علي الشريف بتافيلالت سنة 1664، والمستمرة حتى اليوم.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.