أجواء حميمية وإشارات روحانية يتقاسمها سكان وزوار الصويرة في رمضان

سمير لطفي :
و م ع :

يشكل قضاء شهر رمضان المبارك في الصويرة متعة وسعادة يتقاسمها سكان المدينة وزوارها على حد سواء، من خلال أجواء حميمية وروحانية، ولكونها رحلة في صلب التقاليد الأكثر عراقة وأصالة.

وإذا كانت روح الصويرة وهويتها ترتكزان على حسن الضيافة والتواصل والانفتاح والتقاسم، فإن المدينة تكتسي خلال الشهر المبارك سحرا خاصا، بالنظر إلى الحركة التي يعرفها قلب المدينة النابض بأسواقه المتنوعة وفضاءاته الشعبية، مع قرب وقت الإفطار كما هو الحال خلال الأمسيات الرمضانية الطويلة، التي تزينها رطوبة المحيط التي تغمر المدينة بكل تسامح وكرم، على العكس من مناطق أخرى من المملكة حيث يرتفع المحرار بشكل قياسي.

إن الحديث عن رمضان في الصويرة يستدعي كذلك استحضار تلك الصور الجميلة لبساطة الناس كرمهم والتعايش بين الأديان، مع الإشارة أنه في فترة زاهية من تاريخ المدينة، وفي مناطق مختلفة من المدينة العتيقة، اعتاد اليهود على تقاسم أكلة “السخينة” أو الحلويات المعدة منزليا مع جيرانهم المسلمين، أو حتى تناول وجبة “فطور” معا بكل حميمية وإخاء، وذلك في إطار قيم إنسانية حقيقية تتجاوز بكثير كل انتماء عرقي أوديني.

و اوضحت ثريا ضامة الفاعلة الجمعوية الصويرية ،أن “رمضان في الصويرة هو لحظة فرح وتأمل وتقوى ننتظره بشوق لأنه يسمح لنا بتجديد العهد بتقاليدنا وعاداتنا ويذكرنا بما كان يفعله أجدادنا”، مشيرة إلى أن الاستعدادات لهذا الشهر المبارك تبدأ من شهر شعبان، عندما تنخرط نساء الحي لشراء وتنظيف وتجفيف القمح اللازم لإعداد أطباق رمضان.

كما أشارت ضامة، ‘لى أن رمضان ليس فقط لإعداد الطعام، بل هو أيضا شهر من العمل “الشاق” للنساء اللائي يعملن، بالتناوب، على إعداد الصوف من أجل نسج الحايك والزرابي. كما تذكرت بنوع من الحنين ليلة “شعبانة”، حيث تلتقي نساء الحي في منزل إحدى الجارات لتحضير طبق “ادشيشة”، وتزيينها جيدا بالبيض مع إضافة زيت الزيتون قبل التقديم، وكل ذلك في جو احتفالي.

وأبرزت ضامة إن الاستعدادات لشهر رمضان تشكل تعبئة جماعية نسائية لإعداد الحلويات المغربية (الشباكية والمخرقة وغيرها)، مشيرة إلى أنه طوال شهر رمضان المبارك، تظل النساء معبئات لكي لا تنقص المائدة الصويرية من “الفطور” و”العشاء” و”السحور” من أي شيء مطلقا، في حين أن الرجال يتوجهون نحو المساجد لأداء صلاة “التراويح”، تليها في أغلب الأحيان لقاءات في فضاءات المقاهي، من أجل الاستمتاع بكأس من الشاي بالنعناع ومناقشة القضايا اليومية.

 

كما كشفت ضامة أن مائدة “الفطور الصويرية ” تشتمل جميع الأطباق والوصفات اللذيذة من الحريرة المغربية إلى الرغايف المغربية كالمسمن والبغرير والشباكية وسليلو ، وهو طحينة لذيذة مزيج من الدقيق والفواكه المجففة، وكذا المشروبات والشاي والقهوة مع الحليب، ووصفات السمك وفقا للقوة الشرائية للعائلات الصويرية.

كما أعربت ضامة عن أسفها لاختفاء العديد من العادات والأعراف، لاسيما مع التغيرات الاجتماعية والتحولات العميقة في نظام القيم التي لم تنهل من كامل الموروث التاريخي والاجتماعي لهذا الشهر الأبرك، مشيرة إلى أنه مع ذلك، لا تزال هناك عائلات صويرية، ولو أنها أضحت نادرة، تحاول بغيرة منها الحفاظ على هذا التراث ونقله إلى الأجيال الصاعدة.

وبدوره، يتذكر الفاعل الجمعوي الصويري،حمزة جورتي، أنه عند اقتراب شهر رمضان كانت الأسر الصويرية في الماضي تتعبأ من أجل صباغة منازلها وتنظيفها وتجهيزها بالأثاث من أجل استقبال الشهر الكريم بفرح وابتهاج، مشيرا إلى أنه عند حلول شهر رمضان المبارك، وفي كل حي، كانت المدارس القرآنية والمساجد والزاوياء تشهد حركة دؤوبة من خلال تنظيم حلقات للمديح والسماع والابتهالات الدينية.

وأضاف جورتي أنه في إطار الاحتفاء بهذا الشهر الفضيل، تولي الأسر الصويرية، لاسيما الميسورة منها، أهمية خاصة للأزياء التقليدية، من خلال تحضير “الجلباب” و”القفطان” و”الجبادور” وغيرها لجميع الأفراد من دون استثناء.

وأفاد جورتي أن إحدى العادات الأكثر تفردا خلال شهر رمضان في الصويرة تتمثل في الاحتفال الذي ينظم على شرف الطفل الذي يصوم للمرة الأولى، إذ يفطر بسبع شوربات وسبع تمرات يتم تقديمها من قبل الجيران والأقارب باعتبارها لفتة احترام وتقدير لسكان المنطقة للجهد المبذول في هذا الصدد، مشيرا إلى أن الأطفال الذين يحاولون الصيام لأول مرة يحصلون أيضا على هدايا تحت زغاريد وغناء النساء عند وقت الإفطار.

وخلال ليلة القدر، يضيف السيد جورتي، تحرص الأسر على أن يرتدي أطفالها أجمل الأزياء التقليدية، قبل التوجه بهم عند المصور لتخليد مثل هذه اللحظات، موضحا أنه على عكس المدن الأخرى بالمملكة، فإن الأسر الصويرية تذهب خلال يوم 27 رمضان إلى المقابر، بينما في الليلة التي تسبق الذهاب إلى المساجد، تلجأ النساء إلى عادة “بسيسة” التي ترتكز على كانت رش المنزل كله بسائل يتم تحضيره بالحليب وماء الورد وزيت الزيتون والبخور والزنجبيل.

على صعيد آخر، أعرب جورتي عن أسفه لاختفاء بعض التقاليد العريقة التي ميزت رمضان في الصويرة، لاسيما “الغياط” الذي كان يجوب شوارع المدينة بأكملها مشيا على الأقدام، قبل ساعة من آذان الفجر ويضرب كل الأبواب لإيقاظ الأسر لكي تستعد لـ “السحور” وأداء صلاة الفجر.

وخلال هذا الشهر الفضيل، تعمل الزاوية الجزولية على تنظيم حلقات لقراءة “دلائل الخيرات” بعد صلاة الفجر.

ويشكل رمضان في الصويرة كذلك لحظة تضامن وتقاسم، حيث تشمل العادات المحلية دعوة زوار المدينة إلى طاولة “الفطور” إما لدى عائلة صويرية، وإما داخل فضاءات تمت تهيئتها من طرف عدد من المحسنين لاستقبال الأشخاص العابرين للمدينة أو أولئك المعوزين.

كما تعيش المدينة خلال هذا الشهر المبارك على إيقاع عمليات توزيع “القفة الرمضانية”، ما يبرز روح التضامن تجاه الفئات الأكثر عوزا بروح من التقاسم والمساواة.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.