الغزواني، راعي الطفولة والتربية وصاحب “النقطة” وأحد رجالات مراكش السبعة

مـحـمـد الـقـنـور :

إشتهرت مدينة مراكش لدى المغاربة ، وفي مختلف أرجاء العالم الإسلامي بعدة أسماء للأقطاب الصوفية والأولياء رجالا ونساءُ ممن عُرفوا بكراماتهم وكراماتهن من بينها “سبعة رجال”، وارتبطت مراكش بنسائها من الصوفيات والناسكات الزاهدات،على غرار “للانجمة السكراتية” و”للاعزونة” و”للاعويش” و”للا زهرة بنت الكوش” و”للا عودة السعدية” و”للا مُبيضَة السعد” وغيرهن وبرجالاتها من الأقطاب الصوفية والبدائل والشيوخ والعلماء في شتى ضروب العلوم الشرية والعقلية، ممن بصموا حياتها التاريخية والحضارية على مر العصور، وأثروا على مساراتها التنموية والتكافلية ، ومناحيها الدينية والروحية، وعمقوا ما يكتنف المدينة الحمراء من دلالات إنسانية وأبعاد أخلاقية، حيث ألهمن وألهموا بذلكـ الكثير من الكتاب والقصاصين والروائيين والشعراء وشعراء الملحون، والحكواتيين والفرق الموسيقية الغيوانية، ورواد الأهازيج الشعبية والمواويل والميازين الغنائية .
ويعتبر أبو محمد عبد الله بن عجال الغزواني ، صاحب كتاب ” النقطة الأزلية في سر الذات المحمدية ” في التصوف والتجليات، والذي يشتمل على تصورات لعدة قضايا صوفية، جاءت في شكل رسائل وأحزاب وأوراد، فضلا عن قصائده الشعرية التي تعدت ألفي بيت شعري.

ويتميز كتاب الغزواني بتعددات أسلوبية متباينة ، تتدرج من الواضح اليسير إلى الإيحاءات المرموزة، ومن التصريح إلى الإشارة، ففي الوقت الذي تتسم فيه بعض فقرات وأبواب الكتاب بالبساطة والوضوح، و بلكلمات العامية الموجهة للعموم، فإن فقرات وأبواب أخرى من نفس الكتاب تتوجه إلى الخاصة من العارفين والبدائل والمريدين والتلاميذ ممن يميزون بين الظاهر والباطن ومن ذوي الدراية بفك الألغاز والغوص في الإشارات والوقوف على جوهر الغايات والطلاسم.
ويعد الغزواني المعروف في الأوساط المراكشية بـ”مول القصور”، سادس رجالات مراكش أثناء الزيارة الصوفية لهم ، وحدد يوم الأحد لزيارة ضريحه الموجود بحي القصور العتيق المعروف بدوره الشاسعة ومنازله التي تترجم مختلف أنماط المعمار العريق المغربي، وذلكـ على مقربة من باب الفتوح وحي المواسين وأسواق المدينة العتيقة، حيث شكل في فترات معينة سكنا باذخا لأعيان المدينة العتيقة وأعيان وموظفي المخزن منذ عهد السعديين .

كما تحتفظ الذاكرة الشعبية التي تترجمها الأهازيج والأمثال الشعبية وموروث المواويل والميازين بعبارات لتخليد أبو محمد عبد الله بن عجال الغزواني، والتيمن ببركاته، وأعماله ، من قبيل “سَعْدَاتْ اللِّي رْضَا عْلِيهْ الغزواني”. وعبارة “ارْوَاحْ اللِّي بْغَا يْزُورْ الْوَالِي مُولْ لَقْصُورْ”. وكذا “مِيَاتْ عْلامْ وَعْلامْ ولا عْلامْ فوقْ عْلامُو”. فضلا عن الأذكار،وذكره بطقوس الذكر والحضرة وهكذا وعلى الرغم من مرور حوالي خمسة قرون على وفاة الغزواني، فإن الذاكرة المراكشية ما زالت تحتفظ بما كان يتميز به الغزواني يرحمه الله عن سائر الصوفية من مكانة ورفعة، علما وعرفانا ، سلوكا عملا.
ويرجع نسب الغزواني “مول القصور” لقبيلة غزوان إحدى قبائل عرب تامسنا، ويعد لدى أهل التصوف والزهد ، وشيوخ الزوايا الدينية وارثا لسر سيدي عبد العزيز الحرار التباع القطب الصوفي ، وأحد رجالات مراكش السبعة بدوره ، فقد ظل الغزواني يلازم التباع بمدينة مراكش بعد مغادرته لمدينة القصر الكبير ثم مدينة فاس التي درس بها ، وبعد عودته من رحلته للأندلس طلبا للعلم ، إذ لازم زاوية شيخه التباع الذي استعمله على رعاية بستانه والعناية بمزروعاته، فأظهر في ذلك جدية ووفاء وخضوعا وإلتزاما ، قبل أن يأدن له الشيخ التباع بعد عشر سنوات من الخدمة بفتح زاوية له ببني فزكار في سهول الهبط بمحاذاة منطقة جبالة ومنطقة الفحص، على ضفاف نهري سبو وملوية ، حيث داع صيته هناكـ وطبقت شهرته الآفاق وكثر أتباعه.

وكان مولاي عبد الله الغزواني قد ولد بمدينة القصر الكبير في شمال المغرب، وتعلم في صباه هناك القراءة وحفظ القرآن الكريم ثم رحل إلى مدينة فاس لطلب العلم بعدما سمع بالشيخ أبي الحسن سيدي صالح الأندلسي، وهو ولي صالح شهير ومقصود، له زاوية، فإرتحل إلى زاويته، وصار من طلبته .
وجاء في الأثر، أن من كرامته وهو شاب يافع، أن شيخه أبي الحسن سيدي صالح الأندلسي ، إستشعر نبوغه الصوفي فأراد امتحانه فأمره بغسل أيادي الفقراء وأبناء السبيل من مريدي زاويته، وذلك بعد طعام أعده الشيخ لهم، ولكن الغزواني ، بعد غسله لأياديهم فاجأه بشرب الماء الذي غسل فيه هؤلاء أيديهم فنزل به ما نزل من صفاء النفس والتواضع لله، فقال سيدي صالح الأندلسي لمن كانوا بحضرته : إنما هذا عربي قوي الروح ، ومبارك النفس ، مستنير العقل، وأنا سأبعثه لشيخ أكبر، فبعثه للشيخ سيدي عبد العزيز الحرار الشهير بالتباع بمراكش فصحبه منذ أن حل بمراكش وخدمه.
ومهما يكن، فقد شد الغزواني الرحال إلى مراكش وبقي يلازم حضرة التباع حيث اشتغل عنده في الزاوية كمكلف بزراعاته ، إذ أظهر طاعة عمياء جعلت الشيخ التباع يرضى عنه ويأذن له بفتح زاويته الخاصة. ليشتهر بين الناس وليغادر مراكش بعد إغضابه للسلطان السعدي.

وقد لبى مولاي عبد الله الغزواني، نداء ربه، أثناء تحميسه لجيوش السعديين على اقتحام أسوار مراكش، بعد إصابته قذيفة حديدية من مدافع صديقة .
هذا، في الوقت الذي يرقد فيه القطب “مول القصور” الغزواني بضريح تم تجديده في سياق مشروع “مراكش الحاضرة المتجددة” الذي أعده وعمل على تأسيسه صاحب الجلالة محمد السادس، من خلال ترميم إستحضر الخصوصيات الهندسية العريقة والسابقة للحي بأكمله، فضلا عن مختلف أحياء مراكش العتيقة ، والمسالك المؤدية للمزارات الدينية الشهيرة ، فإن العديد من المغاربة والأجانب من المستثمرين والمقيمين ، قاموا بإقتناء منازل ورياضات في محيط مزار مولاي عبد الله الغزواني وعملوا على إعادة هيكلتها وترميمها، وإسترجاع وهج الجنينات والبساتين والأحواض المعلقة فوق السطوح ، حيث باتت ساحة ضريح القطب الصوفي مولاي عبد الله الغزواني ، تلوح كزمردة في عقد لؤلؤ من أزقة ضيقة ومنتظمة تؤثثـها الدكاكين والمتاحف والبزارات التي تستحود على حيز كبيرمن إهتمام الساكنة والسياح المغاربة والأجانب ، عارضة بذلكـ شتى أنواع منتجات الجلود والحرير والحلي والفخار ومختلف أنواع تحف الصناعة التقليدية المغربية.

ومن بين الطقوس والعادات التي يعرفها ضريح أبو محمد عبد الله بن عجال الغزواني، كما يؤكدها محافظ وممثل حفدة الولي الصالح مول القصور، قراءة القرآن الكريم وتلاوة دلائل الخيرات لمحمد بن سليمان الجزولي من طرف مجموعة من الشرفاء أحفاد الولي الصالح عبد الله الغزواني،وطقوس الحضرة النسائية إلا أن أهم مناسبة دينية يعرفها الضريح هو الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف انطلاقا من الأسبوع الثاني للاحتفال، حسب عادات وطقوس متوارثة ، تقام بدار الزاوية المخصصة لإطعام زوار الضريح ومراسيم لختان الأطفال الصغار.


كما يشهد ضريح مول القصور ليلة يوم كل الخميس في أسبوع تنظيم حلقات صوفية من الذكر، وطقس “الدلالة”، إذ يستوجب على الزائر الذي يرغب في قضاء الأغراض والنية في تحقيق الأحلام، التوجه إلى الضريح المذكور بعد صلاة عصر اليوم المذكور للحضور والمشاركة في جلسة “الدلالة” التي غالبا ما تكون عبارة عن كمية من التمر يجري عرضها للبيع بالمزاد الذي يرسو على من يدفع أكثر، يصبح ملزما بمجرد قضاء الحاجة بأداء ما تعهد والتزم به.

في ذات السياق، يعتبر كتاب”النقطة الأزلية في سر الذات المحمدية” للولي القطب الصوفي أبي محمد عبد الله الغزواني المتوفى سنة 935هجرية بمراكش، والذي قام بدراسته وتحقيقه الدكتور بوشعيب منصر، وصدر عن دار أفريقيا الشرق، مرجعا أساسيا يربط التصوف المغربي بمرجعية الشيخ الجنيد الإسلامية، حيث لا يخرج التصوف بمراكش عن هذا النسق؛ مع بعض الخصوصيات في اتباع الطريقة والتلمذة؛ ذلك أن مراكش تعد مدينة “الأولياء”، إذ يوجد بها حوالي أربعين زاوية، أهمها زوايا السبعة رجال، الذين منهم الشيخ الغزواني، فمراكش مدينة لم تزل منذ تأسيسها، دار فقه وعلم وصلاح ودين وولاية وسر، وهي قاعدة بلاد المغرب والدول المغاربية، وعموم بلدان القارة الإفريقية، حيث سيتم الإحتفاء بها كعاصمة للثقافة بإفريقيا خلال السنة المقبلة 2020 .

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.