“عنف عاشوراء”: ناقوس مخيف عن إفلاس “تمغربيت” الأصيلة وتحولها لمجرد أطلال 

حــــســـن حـــمـدان  :

لاشكــ أن أحداث العنف الهمجية والحركات الغريزية التي عاشتها ليلة عاشوراء الفارطة، بمعظم الأحياء المغربية خصوصا في مراكش والرباط والدار البيضاء وخريبكة بعض المدن الكبرى  أثرت في الكثير من النفوس، وأصابت بعض الأرواح باليأس، وحرضت الكثير من المترددين على حسم قرار كتابة شهادة الوفاة للتقاليد المغربية إلى غير رجعة. لقد اقتنعوا جميعهم بأن معظم مغاربة الغد قد تغيروا كثيرا وقطعوا أشواطا بعيدة في الإفلاس الحضاري والانهيار الأخلاقي، وفقدوا آخر نقطة في رصيد الأدب وسجلات اللباقة الإحترام.

مأساة المتضررين من هذا الواقع المر هي أنهم أدركوا أن مقتضيات التأطير وحتى سهام النقد التي كانوا يوجهونها لن تكفيهم في مواجهة المد الجارف من التخلف والصلافة والسخافة والقبح والتشوه والبشاعة والنشاز الذي صار يفكك أوصال المجتمع المغربي ويحوله إلى مصدر مشع للطاقة السلبية القاتلة والخرافة والبهيمية والمظاهر المحبطة.

نعم! فقد صار الإحباط هو ذاك الشعور الذي اكتسح نفوسنا في تلك الليلة القمرية الحزينة التي سيطر فيها المنحرفون والاوباش وحثالات المراهقون والمدمنون وأصحاب السوابق من آفاقي الشوارع والأزقة وأمطروا سماءنا بملايين الدراهم من المفرقعات والشهب الاصطناعية، وأحرقوا آلاف إطارات العجلات الملوثة، ونشروا في كل الأماكن الجميلة والشوارع الفسيحة إحساسا عارما بانعدام الأمن وبموت القيم ونهاية المثل المغربية الأصيلة.

فأين منا تلك المثل والقيم التي كانت حتى إلى الأمس القريب تخفف على المغاربة معاناتهم مع معضلات الزمن من فقر وجهل ومرض، ففي ليلة عاشوراء تذكر المرء كم نحن موغلون في صحراء التخلف، وكم نحن موغلون في إناء الرجعية والتناقض مع العصر. ذلك التخلف والرجعية اللذان يسمحان بتدمير راحة وأمان وطمأنينة الجار وخنق ومصادرة حقه في الهدوء لا لشيء سوى لإرضاء نوازع تجارية لمافيا المفرقعات،وأباطرة التلوث أو للاستجابة لنداء الجهل والتقاليد أو خضوعا للاستقالة الجماعية للآباء وأولياء الأمورمن متابعة الناشئة .

ما حدث ليلتها من انحرافات واعتداءات، وجرائم، استمرت إلى ساعات متأخرة من الليل، اعطت الدليل القوي على الفشل الذريع الذي حصدته كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية من أسرة ومدرسة ومجتمع ومؤسسات في عملية بناء عقلية حديثة ومنظمة تعطي لقيم الإحترام والانتظام والعقل والتفكير الأولوية القصوى.

هذا، ولم يكن في ليلة عاشوراء العاصفة بأصوات القصف والمتفجرات والحرائق والقمامة والمتلاشيات مظهر واحد من مظاهر العقل الذي يمكن أن يعقل بعض المراهقين عن رمي بعضهم البعض وحتى بعض رجال الأمن بمفرقعات والشهب الخطيرة كتلك التي أودت بحياة شاب في حي درب غلف بالدار البيضاء بعد أن مزقت وريده.

ومع ذلكــ , فــلا أحد منا اليوم يستطيع أن ينكر أن نسبة مهمة من الإنسان المغربي لم تعد مسالمة أو هادئة أو مسيطرة على ألسنتها وأياديها وأرجلها. فمظاهر العدوانية باتت صارخة جدا ومؤذية للعين والنفس، وأشكال العنف اللفظي والجسدي صارت تؤثث بيوتنا وشوارعنا وحدائقنا ومواسمنا ومساجدنا وكل فضاءاتنا العمومية.

فمن النشل والسرقة بالعنف إلى التحرش والسباب والألفاظ النابية ومن الأصوات المنكرة والنهيق والنظرات القاسية إلى إنبعاث الروائح المؤذية والتطفل والتسول والتهافتية ومن الإحتلال والإستغلال والإستهزاء إلى صناعة الأزبال والقبح والنشاز والنصب والإنتهازية…هذا كله ما صار يطبع فضاءاتنا العمومية.

وبات من النادر، أن تجد المغاربة يقفون في طابور في نظام وغنتظام، وبكل تمدن وحضارة  …… وجرب أن تقف عند البقال في طابور وستقضي يومك أمامه دون أن تشتري حاجتك.ثم جرب أن تقف في صيدلية حراسة ليلية بانتظام وسترى كيف سيأتي الكثير من الزبناء لتجاوزك دون استشارتك وأخذ حاجتهم، أو جرب أن تصعد إلى الحافلة بهدوء وكن متيقنا أنك ستكون آخر من يصعد فلا تجد مكانا فارغا، وجرب أن تنام في التاسعة أو العاشرة ليلا، وصدقني انكــ  لن تستطيع ! لأن الدراجات المزعجة لا تتحرك إلا ليلا.

وعلى كل حال فعندما تسرق الأحذية من المساجد، هل يكفي وصف واقع الحال بالإفلاس ؟ وعندما تصادر حاويات الأزبال في الشوارع وتتحول إلى خزانات منزلية للحبوب والمؤونة هل يكفي وصف واقع الحال بالإفلاس ؟ عندما يتبول المارة على جدران المدرسة فهل يكفي وصف واقع الحال بالإفلاس؟


لقد وصلنا فعلا إلى قاع القاع. فقد كنا نبكي لفقرنا ومرضنا وجهلنا، واليوم لن تكفينا حتى الدماء دموعا على تصحرنا الفكري فقرنا الحضاري وإفلاسنا الأخلاقي وانصرام رصيدنا البائد من الاحترام والرأفة ، نحو طريق قد تصبح في نهايته“تمغربيت” الأصيلة مجرد أطلال نتحسر عن أيامها، ونبكي على ذكراها .

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.