فوزية رفيق الحيضوري : قصائد تخاطب الروح  وتنبهُ الفكر،وتلمسُ العاطفة

 مـحـمـد الـقـنـور :

ينبوع سلسبيل من الكلمات الدافقة بالبوح والطلاوة وبالأنوثة، وشلال روحي ووجداني من العبارات الشعرية ومن الصور البلاغية المباشرة والغير المباشرة، وقصائد تحمل في طياتها انة عميقة بالذات، وتخاطب الروح  وتنبه الفكر ، وتلمس العاطفة في أن واحد ، تلكــ هي قصائد الأستاذة الشاعرة فوزية رفيق الحيضوري التي تضمنها ديوانها “ماكان حلما يفترى”، الصادر ضمن منشورات مركز عناية، من المطبعة والوراقة الوطنية في مراكش.

فقصائد الديوان السبعة والعشرين، تبدو وكأنها ترسانة من الأشواق ورزنامة من الحيرة، ومحاولات ناجحة للقبض على مكامن كل العبارات والتشبيهات والإشارات والإسنادات والدلالات التي تمس شفاف قلب قارئها، وتثير ما بطن في نفسه من عواطف إنسانية  عميقة لتتوحد مع “العيون الهائمة” و”الظلال التائهة” وحكاية الجسد” و”همسات الحلم” معلنة في كل ذلكــ ” عودة البسوس” وملاحم القبيلة، وبوح الليالي،  ضمن مشاعر قوية، تلامس “دبيب العشق” و”صمت التمرد” و”طلاسم الشكـ” مستغرقة في ” غواية النظم” التي تتجاوز المألوف وتستهين بالعوائق، لتنبه العقول إلي للذات الشاعرة التي ليست سوى الشاعرة فوزية رفيق الحيضوري وما للإنسان وما للحياة علينا من تداعيات ، ومن قوة على التماهي مع كل “أفروديت” ترفض “النسيان” وتأخذ بكل تلابيب “النور” مسترجعة في كل ذلكــ ذكريات “اللقاء” على حافة “ترنيمات الفجر” ليتضح من خلال قصائد الديوان أن كل إمرأة هي في حد ذاتها تناسخ روحي ووجودي من  “أفروديت” ، حيث أن كل إمرأة هي أفروديت….

والحق، أن قصائد ديوان “ماكان حلما يفترى”،السبعة والعشرين، كما أسلفت،إستطاعت من خلالها هذه الشاعرة فوزية رفيق الحيضوري أن ترسم معالم فضاء مورق من التجارب والمواقف والمشاعر، بقصائد تفيض عشقا ووجدا، وحمية وصوفية عرفانية تحتفل بالذات وبالآخر وتنتصر للحياة المفعمة بالفداء للخير والجمال والحقيقة والفضيلة، وذاكــ النزوع الإنساني الذي تؤرقه الهموم وتحدوه الآمال، لتعلن أن للشعر  أرضا في “سلا … عشق الشاعرة الأبدي” وأن له شعبا من خلال “صرخة الأرض” التي تئن تحت وطء الأقدام الهمجية” .

وما من شكـ عندي، أن الشاعرة فوزية رفيق الحيضوري، وإنطلاقا من قصائد الديوان، تستلهم الشيء الكثير، من قراءاتها المتنوعة، وخلفياتها الثقافية، وحسها المرهف، وذكائها الروحي، لتؤكد حضورها الشعري الساطع المكتمل والواعد فى نوع من حساسية شاعرية يسكنها ذاكـ القلق الجميل الذي تتشكل سماته وملامحه ومفرداته ومضامينه وجمالياته فى كبرياء أنثوية ملموسة، ترفض كل ندوب الوهن والتآكل والتدنى ، لتحتفي بإنسانية واستقلالية المرأة، في تدفق شعري سهل ممتنع، متحرر من ذاكـ الاقتران بالرسائل الواضحة المحددة ، حيث يظل شعرها يحمل امكانية تأويلية مهمة ترتبط بإشراقاتها وهواجسها من جهة، بالعالم من حولها، وموقفها من الأفراد والجماعات من جهة ثانية، ولتكشف بين الفينة والأخرى عن جروحها الذاتية وعن وعيها بالأوضاع الذاتية والموضوعية، في سياق  مواقف انسانىة ، تستشفها من بهجتها وتآلفها ومشاهداتها اللا محدودة، والشاسعة ذات الخلفية العرفانية، التي تعلن عنها منذ بداية الديوان، الذي يهيء القارئ لعوالم بهجة تخيلية عبر بيتين من “مثنوي” مولانا جلال الدين الرومي، دفين “قونية” التي ترتسم إمتدادا وإقتباسا من مراكش حاضرة الرجال السبعة، لتصنع بذلكــ ثوابت  شعرية راسخة، كانت وراء إنتاج هذا الديوان الشعري الجميل والمتميز ، الذي يكشف عن عمق موهبتها  الإبداعية ،وعن علاماتها الدلالية الخاصة ، وعن روحها الأكثر صدقا وإلتزاما وجمالا ، معلنة في كل ذلكــ إمكانية التعامل مع الماضي وإمكانية  التمرد على الواقع، والخروج من أسره، بل وكسر قيوده لصناعة حاضر رائع ومستقبل أروع وأرق وأكثر إنسانية.

ولقد لفت إنتباهي أثناء إعادة قراءتي لديوان “ماكان حلما يفترى”  تلك الطاقة المدهشة من السرد الشعرى المفعم بالروح الأنثوية المغربية الجديدة ، وبذاكـ التفهم العميق للفكر المستجد وللواقع، ولقضايا النساء، وتلكـ الدرجة الممتازة من صفاء اللغة،وسلاسة الألفاظ ، ووضوح المعاني، ومن حسن إختيار الصور البلاغية ، مع الإبتعاد الضمني عن التكلف والإسفاف،إذ عرفت الشاعرة فوزية رفيق الحيضوري، كيف تصنع للروح الأنثوية شعرا مُحكما قويا، وعالما خلاقا فريدا، وكيف تحول الكتابة الشعرية إلى بديل عن الجمود والركون والموت، وكيف تُـلملم بين ثناياها جزءا من سيرتها الذاتية، ووصفًا لعالمها الخارجي، وتعبيرًا عن روحها النضالية الملتزمة التى يجدها القارئ فى لغتها الشعرية القويمة والسليمة، وفي عوالمها الفضفاضة اليانعة، فهى في الحقيقة تشعر شعرا، وتبوح وجدًا وعرفانًا،  وتُلملم أكناف الحياة الصعبة، والأيام المسترسلة،والتجارب المتباينة محتفية في كل ذلكــ بالمرأة  التي لا تعدم سبيلا ً نحو توجهٍ أرقى للعيش، وللتماهي مع الوجود بكل مظاهره، ومع حَكي تجليات الواقع، وتجارب السنوات المختلفة والأحداث المتنوعة، والأمكنة المتباينة، والأحاسيس المتواثرة،  بكل شاعرية، وشعرية Poétique جعلت من الديوان نفسه رحلة داخلية وخارجية لا يوجد فيها حاجزا  بين ما يمكن أن يفصل بين الخيال والواقع ، في تجربة هذه الشاعرة التي أعطت للحركة الشعرية النسائية في مراكش وفي غير مراكش لونًا شهيًا، وإنتصاراً ملموسا، و عشقا لا ينتهي ، بعبير أرض الوطن وعبق الأحاسيس المنبثقة من بيادر الخير والعطاء والنماء الذي يكتسي بأثواب الشموخ و بيارق الفخر والاعتزاز، لشاعرة مثل فوزية رفيق الحيضوري من العيار المثقف الموهوب الصادق ، والمتابع لمتطلبات الإبداع الشعري ومستلزمات الحداثة الأدبية المواكبة للتطور المغربي الحضاري والمعرفي والاجتماعي والوجداني  .

هذا، وقد ازدادت الشاعرة فوزية رفيق الحيضوري، والأستاذة بالتعليم الثانوي ألتأهيلي، بمدينة سلا، حيث تلقت تعليمها الإبتدائي والثانوي، قبل أن تحصل على الإجازة في الأدب العربي من جامعة محمد الخامس بالرباط، كما إشتغلت في الإعلام، كعضو سابق بهيئة تحرير جريدة 8 مارس، كجريدة وطنية كانت من المنابر الإعلامية الوطنية المؤسسة لثقافة المساواة في الحقوق بين الجنسين، وقد تلقت الشاعرة تكوينات متعددة بالمغرب وبالعديد من الدول حول الإستماع والتواصل ومناهضة العنف المنزلي، وشاركت في بحوث ميدانية اجتماعية وبيئية ومجالات قطاعية تنموية .

إلى ذلكـــ ، تعتبر فوزية رفيق الحيضوري، العضو النشيط بصالون الربوة للثقافة والفكر بالرباط ، والتي نشرت العديد من القصائد بمختلف المنابر الإعلامية، عضوا مؤسسا لجمعية “مركز التنمية لجهة مراكش تانسيفت” ولــ”إتحاد العمل النسائي”، وعضوا سابقا بالمنسقية الجهوية والإقليمية لمراكز الإستماع والوساطة المدرسية،وعملت ضمن الفريق الوطني لتأليف وإعداد الدليل المسطري لمراكز الوقاية ومناهضة العنف بالوسط المدرسي، بدعم من منظمة “اليونيسيف” كما عملت مشرفة على مركز الإستماع لمحاربة الهدر المدرسي بثانوية العودة السعدية في مراكش، وتهتم حاليا بالأطفال ممن يعانون من “الديسليكسيا” حيث يواجه المصابون بهذا النوع من المشاكل الصحية صعوبةً في قراءة الأحرف وعسراً أثناء النطق بها أوكتابتها .

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.