ثلاث قصص قصيرة جدا..

 

 

 

 

 

….الــعـربي لـعــضام :

1 كل شيء يحدث في موعده ..

……………. كانت قاعة الانتظار أنيقة، تشبه رواقا فسيفسائيا للفن التشكيلي المعاصر، لم تدع ليلى المناسبة تفوتها،دون أن تتأمل تلك اللوحات الزيتية البادخة، التي تؤثت مساحة جدران القاعة، رغم أنها تعاني من إرهاصات مخاض ولادة حياة جديدة على الطريق. تمددت على أريكة أنيقة بلمسة كلاسيكية لونها بنفسجي. اخدت شمس ذلك الصباح الربيعي ، تخضب قسمات ملامح وجهها بحمرة خجولة ، و هي تداعب ضفائر شعرها المسدول على صدرها، اطبقت جفونها لهنيهة، اللون الأزرق يوحي لها ، انها أمام البحر بسواحله المتاخمة، للضباب الجماني القادم من أعماق الأساطير الكونية تحرسه اسراب من النوارس المبجلة. أدرك طبيبها إنها تستمتع بلحظة خاصة. عندما عادت من رحلة حلمها الفاتن، أخبرته أنها حضرت كرنفالا شعريا فوق العادة، ألقى جنينها هناك قصيدة شاردة ،لا تشبه مثيلاتها. قال في مطلعها: إن الرحم أغلى مكان …اغلى وطن… الخروج منه بداية صراع ابدي لا ينتهي…كل الأجنة تصرخ عندما تهاجر فردوس الرحم..لا شيء خارجه غير السماجة…

  …………. انتشر نسيم عابر ملأ فضاء قاعة الانتظار، مشبعا بعبق الياسمين والقرنفل. اقترب الطبيب من ليلى، قرأ في عينيها معاني الرجاء و الأمل،استشعر ما يتفاعل بين جوانحها،تأملها قائلا: إنه الإحساس بالطلق .الألم هو بداية حياة و نهاية حياة… شد على يديها بحنو، قال لها و هما في طريقهما إلى غرفة الولادة : شيء رائع أن يهدج وليد منتظر متألق في رحم أم شاعرة بامتياز .ابتسمت بنظراتها العامرة بالحب ، ثم استطرد قائلا: هكذا هي الحياة ، “كل شيء يحدث في موعده”. تحولت الأريكة إلى هودج بألوان قزح، يزف طلعة اغلى عروس، و يبشر بأبهى وليد. الإنتظار هو سيد الموقف. خيم هدوء مسكون بترقب.تزامنت صرخة وزغرودة ،فكان الحدث..


.
2 الطيور المسافرة …

…………. كان اسماعيل عندما تضع رقية مقدمة رأسها على صدره ، كيافعة مزهوة بحب الحياة، تنتشي بخيال أحلام العذارى الفاتنات اللائي لا يبارحن مراياهن البلورية، في إنتظار وصول فرسان احلامهن. يتفهم إسماعيل دلالة رقية رفيقة عمره، لا يتأخر عن مؤازرتها و مؤانستها، يحدثها عن ذكرياتهما المتألقة بصوت عذب اينعته سنوات العمر الخوالي. تندفع زفرات مكلومة من أعماقها، كقطرات ندى شاردة بين أكمام ريحانة مذعورة من شبح ريح عابر. لم يتخلف إسماعيل في تضميد جراحها، يداعب جدائل شعرها المعطر بنسيم القرنفل البري الذي يذكره بعبق أنوثتها الناعمة، و روحهاالثملى بالعشق. تتواثر آهاتها في صمت، تتذكر الطيور المسافرة إلى الشمس، تتذكر عائشة و نوفل فلدتي كبدها ، حبهما اقوى لحظات الحياة بالنسبة إليها، تتماسك بقوة بين أحضان زوجها إسماعيل، تتوسله أن يتركها تبكي، و أن يضمها قدر ما يستطيع بين دراعيه. كلما تأملت قسمات ملامح وجهه الذي أصابته التجاعيد ، تتمنى ان يتفهم حساسية حزنها. حينها لم يكن أمامه سوى أن يناجي روحها العامرة بالوجد كعاشق اسطوري، يذكرها أن الطيور عندما تكتمل أجنحتها، لا بد أن تحلق بعيدا لتمارس الحرية التي وجدت من أجلها كلما حان موسم الهجرة. نداء الحياة يجبرها على ذلك . عائشة و نوفل من الطيور المسافرة لا يمكن أن يتخلفا عن سربهما. العواصف العاتية تتربص دائما بالمتخلفين عن السرب.

3 رفــيــق افتراضي..

 

………….وجد رجل نفسه وحيدا، متعكزا على عصاه ،في يوم تعاقبت فيه الفصول الأربعة دفعة واحدة، يقف في منتصف شارع فاصل، قسم مدينته المترامية الأطراف إلى شطرين بعد أن أصابها يباب تائه. لمح كلبا قادما من أفق الشارع، يجر قوائمه بحذر. عندما اقترب منه، أصبحا معا وجها لوجه، بدأت الظنون تتسرب إلى توقعاتهما . ركز الكلب نظراته على العصا التي له معها ذكريات مُرة، استعرض على التو مواقف مماثلة، انتهكت فيها حقوقه. قرأ الرجل الظنون التي تراود الكلب، طرح العصا جانبا، ثم تسمر في مكانه لا يحرك ساكنا و هو ينتظر، بدأ الكلب يحرك ذيله ،تقلصت المسافة بينهما، تجاوزا معا دون تردد مرحلة الترقب والهواجس،استحضرا في خضم توجسهما، أن لهما ذكريات مشتركة، كان الكهف فيها نقطة جذب ، عاشا تجربته معا ،آمنا كلاهما بحتمية المصير المشترك… تأمل الرجل دفاتر ذكرياته ما بعد الكهف ،شعر بالغثيان، استشعر الكلب اللحظة الوجودية التي يجتازها رفيقه الافتراضي ،تطلع اليه بنظرات مثقلة بالتوجس و القلق .توصلا بفطرتهما انهما سيان ، و أن مدينتهما المترامية كهف عميق، تخومه لا نهاية لها. تبادلا معا مجموعة من الإشارات العابرة فيما بينهما،اعترفا أن الطبيعة قدرهما، وهي قاسم مشترك بينهما، و لا يمكن أن تلغى حقوق طرف على حساب الطرف الآخر مهما قوي الصراع من أجل البقاء.لم يكن امامهما سوى توظيف غريزتهما ،ليتواصلا من جديد. انطلق جنبا الى جنب، كل واحد يضمر نواياه و أسراره ، تركا الشارع يحملهما إلى مدينتهما الهلامية الجديدة التي تعج بالاضواء ،يرافقهما ظلهما،إلى أن انصهرا داخل متاهاتها.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.