بعد الجمود في زمن كورونا، نبض التراث يستعيدُ خفَقَانَهُ بمراكش

مـحـمـد الـقـنــور :

تحت شعار “عودة النبض إلى التراث وتجديد الوصال” نظمت أمس الأربعاء 7 يوليوز الجاري، المديرية الجهوية للثقافة لجهة مراكش أسفي وودادية المرشدين السياحيين المعتمدين بقصر البديع في مراكش تظاهرة ثقافية تحسيسية سعت إلى إبراز أهمية التوثيق وتحصين الذاكرة الجماعية بالمعلومات الصحيحة وتنقيحها من الشوائب التي لا تستند على مراجع رصينة.
وجاء تنظيم هذه الأنشطة الثقافية لفائدة المرشدين السياحيين المعتمدين تماشيا مع رؤية قطاع الثقافة بوزارة الثقافة والشباب والرياضة الرامية إلى تثمين الموروث الثقافي والتعريف بغنى وتنوع المؤهلات الحضارية على نطاق واسع داخل المغرب وخارجه.


كما ثمن المجتمعون أهمية الزخم التراثي الغني والمتنوع لمدينة مراكش، والذي يرقى بها ضمن مصاف الحواضر الحضارية العالمية المميزة، ويضعها ضمن المدن التي تختزل في معمارها وتراثها المادي واللامادي وعادات ساكنتها، وتنوع روافد حضارتها، في مصاف الإرث الإنساني المتنوع.
هذا ونوه عزوز بوجميد المدير الجهوي للثقافة لجهة مراكش آسفي، مختلف المجهودات المبذولة من طرف ودادية المرشدين السياحيين المعتمدين، سواء على الصعيد المحلي أو الوطني في سبيل التعريف بالتراث المغربي و تقديمه في أبهى حلة للسياح مؤكدا على ضرورة تطوير الكفاءة المهنية للمرشدين والرصيد المعرفي من خلال القراءة والإطلاع المتواصل على التاريخ والفنون العالمة والفنون الشعبية وخبايا كنوز الثقافة بالمدينة الحمراء، وبعموم أقاليم الجهة .


كما شدد بوجميد على انفتاح المديرية الجهوية للثقافة على كل المبادرات والمقترحات الهادفة خدمة للثقافة والتراث ، مشيرا أن هذه التجربة ستمتد عبر الزمان و المكان لتشمل مواقع و مدن أخرى بالجهة.
من جهته أشار أحمد الجابري عن ودادية المرشدين السياحيين المعتمدين الى الدور الريادي الذي يلعبه الموروث الثقافي بكل أنواعه في استقطاب السياح مشيرا أن القطاع السياحيمصدر هام للثروة، إذ يمثل حوالي 7 % من الناتج المحلي الاجمالي الوطني. كما يعتبر القطاع مصدرا هاما لفرص الشغل حيث ساهم سنة 2019 في خلق 550 ألف منصب شغل مباشر، أي ما يعادل %5 من إجمالي نسبة الشغل في دورة الاقتصاد.

وأضاف الجابري أن دور المرشد السياحي لم يعد يقتصر على إتقان لغة السائح الأجنبي بل بات يتطلب منه تجويد وتحسين مستوى المعرفة العامة بميادين متعددة ومتباينة لاكتساب أكبر قدر من الحجج والمبررات المقنعة، مشددا على ضرورة اضطلاع المرشد السياحي بمسؤوليات شتى تتجاوز مرافقة السياح وتزويدهم الممنهج بالمعلومات لتسمو إلى الديبلوماسية الموازية.


في ذات السياق، عرفت الصبحية الثقافية حفل توقيع كتاب “اللقى الأثرية المرتبطة بالتدبير المائي بمواقع جامع الكتبية وقصر البديع وخزانات سيدي بوعثمان” لمؤلفته الدكتورة حسناء الحداوي محافظة قصر البديع، وفي تقديمه للكتاب المحتفى به توقف عبد القادر عُرابي رئيس مؤسسة آفاق الدراسات والنشر والاتصال على غنى وتنوع التراث المغربي بروافده الأمازيغية، العربية، الإفريقية، العبرية، مؤكدا أن ما وصفه بــ”تاريخ العوام” يظل حقلا معرفيا يساهم في إماطة اللثام عن جوانب مهمة من التاريخ الاجتماعي للمدينة الحمراء، ويقتضي تعميق البحث في “التاريخ السياسي” في أفق تحقيق تراكم كمي وكيفي يخدم الفعل الثقافي والتوثيق، مضيفا في سياق حديثه عن كتاب “اللقى الأثرية المرتبطة بالتدبير المائي بمواقع جامع الكتبية وقصر البديع وخزانات سيدي بوعثمان” أن هذا الأخير، يندرج ضمن الكتابات التاريخية الحديثة التي تستند على اللقى الأثرية لإعادة كتابة تاريخ مدينة مراكش، مما يشكل إضافة نوعية إلى جانب 50 مؤلفا توثيقيا صادر عن مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال، واصفا الكتاب بالمبادرة المعرفية الـ”غير المسبوقة” لكونها تعتمد على حفريات أثرية تعرض لأول مرة، وعلى منهجية موضوعية إستقرائية للأمكنة والأزمنة بكل ظرفياتها الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والروحية.

من جهته، قدم الروائي والمؤرخ عبد العزيز ايت بنصالح إضاءات تاريخية حول أهم المحطات التاريخية التي شهدها قصر البديع باعتباره صرحا معماريا حابلا بعديد الأحداث التي انعكست آثارها على مدينة مراكش والمغرب بشكل عام، معرجا الحديث عن خصائصه التراثية والمعمارية التي ارتبطت بمرويات متوارية بين العديد من المصادر التاريخية، خالصا إلى القول أن المعلمة التاريخية السالفة الذكر حافلة بالكثير من الأسرار التي تجعل منها موضوعا متجددا إن على مستوى البحث والتقصي أو على مستوى الكتابة الابداعية .


وارتباطا بالزيارات الميدانية المبرمجة في التظاهرة الثقافية التحسيسية قامت الدكتورة حسناء الحداوي محافظة قصر البديع مرفوقة بوفد مهم من المرشدين السياحيين بتأطير زيارة ميدانية إلى أهم الفضاءات التاريخية بقصر البديع، تناولت من خلاله خصوصيات القصر المعمارية وسياقاتها التاريخية، كما قام الأستاذ الباحث عبد المنعم جمال أبو الهدى المسؤول عن التراث الثقافي بالمديرية الجهوية للثقافة بمراكش بتأطير زيارة ميدانية ثانية إلى قبور السعدين، مُقدما شروحات مستفيضة لوفد المرشدين السياحيين المعتمدين ، حيث إستعرضت الإطار التاريخي لهذه المعلمة المتفردة وأهم الرموز وقبور الأعلام المتواجدة بالمقبرة السعدية، وماواكبها من أحداث تاريخية مهمة طبعت تاريخ المغرب طيلة القرنين 16 و17.


إلى ذلكــ، عرفت هذه التظاهرة الثقافية تسطير أنشطة أخرى متنوعة على مدار الموسم الثقافي 2021-2022 ـ من المرتقب أن تنتظم في إطار معارض إثنوغرافية، وندوات ومحاضرات، وتوقيع إصدارات أكاديمية، وزيارات ميدانية إلى أهم المعالم التاريخية بالجهة كقلعة “تاسغيموت المرابطية” بتاريخ 14 يوليوز الجاري، والمرصد الفلكي بمنطقة أوكايمدن وموقع النقوش الصخرية بتاريخ 8 شتنبر 2021.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.