قصة قصيرة جدا :

إنـــها قـــوة الصـــداقـــة ..

الــعــربــي لعـضــام
الــعــربــي لعـضــام

 

 

 

 

 

…………..تخلص من وضعكَـ القرفصائي … كفكف دموعا لا معنى لها الآن… افتح دفاتر ذكرياتكــ … هل تتذكرُ تلك الصخرة المشرفة على قارعة الطريق، التي كانت تُشاركك اصابيحكـَ و اماسيكـ مند أن كنت يافعا ثم شابا بشارب ناعم . تداعب نتوءات شروخها تحت مظلة الشفق، الذي يتواجد في أفق قريتنا، يوزع حمرته بسخاء على تلالها المتاخمة لسواقيها المسكونة بنقيق الضفادع، و على الحقول الغنية بدوالي الكروم و أشجار الزيتون. لقد كانت تلك الصخرة ملاذك المفضل، لا تنافسك فيها سوى تلك الحافلة الفريدة للمسافرين، التي تتخدها كمحطة استراحة قبل استئناف رحلتها إلى المدينة. أنا أتذكرُ ذلك اليوم الذي كنت فيه حريصا على هجر صخرتك، محاولا ألا تثير انتباه فضول أهالي القرية. كنتُ أنا في خضم كل هذه التحولات، اراقبكــَ عن قربٍ دون أن تفطنَ انتَ لذلك. لقد كنت تضمر في نفسك مشروع رحيلٍ إلى مدينة أحلامكَ، التي طالما حكيتَ تفاصيلها في ليالي قريتنا القمرية آنذاك، و نسجتَ قصصًا عنها من خيالكَ. هل تتذكرُ ذلك اليوم الذي قررتَ طلاق صخرتكــَـ ، كانت نظراتـــُـك مشتتة، و أنتَ تتطلع بشغف إلى رصد أولى تباشير وصول حافلتك المنتظرة. عندما هممت بإلقاء جسمك على مقعد من مقاعدها، فاجأتك فانتفضت كديك مذبوح بحد سكين مضروب. اقتربت منك حينها، همست في ادنك، توسلتك أن تتراجع عن أحلامك الافتراضية المدينة التي في خاطرك، وأنه لا جدوى من تشخيص مسرحية التلويح بيدك من خلف زجاج حافلتك، و درف دموع وداع عابرة تدغدغ بها أحاسيسك. حينما لم تهتم لتوسُّــلاتي، أدركت أنك فقدت صوابكـ ، و انك تمسكت بالقرار الخاطئ… ماذا بقي منك الآن..؟ المدينة التي تسكعت في متاهات شوارعها، و تــهتَ بين مداراتها، حولتْ تفاصيل أحلامكَ الهُلامية إلى فضلات تافهة، كنت تستوي على صهوات الخيول الأصيلة و أنتَ تتبخترُ بين مروجِ قريتنا، فتحولتَ في مدينتكــَـ إلى مُــراهن على خيول وهمية في رهانات خاسرة، لقد نبهتك أن للمدينة شرائعها، لو تمهلتَ قليلا، و أحسست بنبض قلبي و أنا استعطفك لتؤجل مغامرة المدينة إلى حين أن تنضح تجربتك، لتملكت مفاتيحها و صرت من روادها ، الآن ماذا بعد أن لفضتتك شوارعها الخلفية، ونهشتك أنياب ذئابها المتوحشة ، وعافــتك كلابُها الضالة ..؟  تأمل مراياكــ الباطنية، لقد امتلأت بقعا سوداء اكتسحت خباياها، لم تعد مشاعرك عليها صافية، هل تدري ماذا يعني هذا..؟  إنه الاحتضار قبل الأوان. لو كنت استحضرت عقلكـ و فتحت قلبك لتوسلاتي، لما تأثرت مراياك بسراب خادع و أحزان تائهة، حاول الآن ان تصير شخصا آخر ، يحمل حقيقة نفسه، يسعى لحياة عريضة ممتلئة بالحب و الرضا،الحياة أحيانا تحاول من تلقاء نفسها أن تعلمنا أشياء كثيرة ، و تجنبها أشياء كثيرة. ماذا لو أعدت تأمل دفاترَ ذكرياتكَــ من جديد، بعد أن يعود الصفاء إلى روحكَ..؟ سترى أن الإفراط في الأحلام يقتلُ، من حق المرء أن يحلمَ، الحلمُ جزءٌ من الحياة، لكن أجملَ حلم حينما تشعرُ بالحرية التي تحقق بها انسانيتك وسعادتك، الآن ضع مقدمة رأسك على صدري،و دع جسمك يتخلص من تلك السموم التي زرعتها في خلاياه،أنا أعرف أنك تمر من مرحلة حزن شديد، سأحول الصداقة التي بيننا إلي ترياقٍ، إنــهــا قوة الصداقة،الحياة بدون صداقة صحراء مسكونة بالتيه والتمزق،أترك دفاتركَــ مفتوحةً للحياة،ابحث عن السعادة في روحك،المواقف الصعبة هي التي تدفعنا لنتعلم من أخطائنا.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.