قصتان قصيرتان جدا

 

 

 

   

  1  مـــوت رخيـــــص .

……… خرج الطفل مروان، في بداية صباح خريفي من بيت أهله، يركض كرياضي واعد، متخصص في العدو الريفي،بعد أن انتزع خمس دريهمات من أمه بعد لأي. اشترى بها أكلة بوكاديوس، تاركا وراءه وليمة خضر متبلة بأنواع التوابل و الأعشاب العطرية، في انسجام تام على الطريقة الأمازيغية، تنضج على نار هادئة تنعش القلب و الروح. أثناء طريق عودته إلى البيت التهم الطفل مروان أكلة البوكاديوس على دفعات متتالية ،توجس أن يطمع طامع في لقيمة منها سواء من أقرانه الذين يمكن أن يصادف أحدهم في طريق عودته أو بداخل البيت. كانت الساعة تشير إلى تمام الثانية عشرة زوالا من يوم الأحد. توقف مروان في قلب الطريق.ساد صمت رهيب. شعر بمَغَصٍ مفاجئ. وضع يديه الفتيتين دفعة واحدة على سطح صرة بطنه الناعم. صرخ صرخة. ثم خَرَّ ساقطا.

 

2   المـــطاردة .

 

………….اقامت الأم الكادحة حفل شاي لجاراتها بمناسبة نجاح ابنها الوحيد الذي نال شهادة الماجستير في التاريخ و علم الآثار، هي الشهادة الكبرى بلغة أهالي الحارة. كل النساء اللائي حضرن في حفل الشاي البسيط ، فرحن لهذا الحدث العظيم،تسابقن للمساهمة فى تنظيم حفل تكريم لسعيد على طريقتهن،تضامنا مع جارتهن الكادحة.لم ينتظر سعيد بداية الموسم الإداري الجديد. حرر مئات من الرسائل، اختزل فيها مراحل مساره الدراسي و الإجتماعي و سيرته الذاتية و مؤهلات الشهادة العلمية الجديدة. طمأن سعيد أمه عن مصير ساعة الوظيفة أنها آتية لا ريب فيها.
مضت شهور على مراسلات سعيد. شهور عجاف. ظل الانتظار سيد الموقف. أشفقت أمه عليه من الصدمة الكبيرة. ناولته دُملجا من ذهب كانت تذخره ليوم أسود، عسى أن يساعده على بناء بداية أمل ،في إنتظار حلم الوظيفة. اقترحت عليه عربة يدوية كان يستعملها أحد الجيران قبل وفاته. صار سعيد إلى بائع متجول يدفع العربة الجديدة ، التي أصبحت هي التي تطارده من خلال لعنة شهادة ماجستير التاريخ و علم الآثار، و مطاردات جباة ضرائب البلدية ممن يتربصون به في كل زقاق وعند أي منعرج، وحسرة بنت الجيران،التي كانت تمني النفس، أن الوقت حان لمداعبة الجدائل المسدولة على مقدمة صدرها، لكن لعنة المطاردة هشمت مرايا الفرح التي كانت ترقص في أحلامها،تدغدغ لياليها،حولت شروخها إلى مقاصل تُنزِفُ نِياط قلبها المكلوم. كان سعيد يدرك أن الأرض تحترق تحت قدميه كلما توقف عن الركض،عندما ينزوي بنفسه بعيدا عن عيون الفضوليين ،سرعان ما يسافر في أعماقه، يذرف دموعا، و يكفكف أخرى ثم لا يلبث أن يعود إلى عربته المجرورة المدفوعة التي تذكره بصخرة سيزيف الأزلية،هو الآن استوعب ما تعنيه مأساة سيزيف، وأسطورة عذابه السرمدي، هما سيان الصخرة و العربة، كلاهما حامل و محمول، كلاهما رمز للعذاب الأبدي ما دامت المطاردة قائمة.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.