قـصـة قـصـيرة..

 

 

 

 

 

                       

 حـكــــايـة زقـــــاق ..

 

يروى أنه في الأزمنة العذراء، كانت شجرة كروم عنب، بجانب بئر تغمرها مياه لا يفارقها الضياء.هما معا ملاذ آمن للعابرين من السبيل، وللطيور المهاجرة.البئر و شجرة الكروم توجدان في زقاق هادئ خجول،بقلب المدينة العتيقة الهائمة بأسرار أحلامها الملونة،هو على مقربة من عمود متجوف مثل برج متوسط العلو و عريض، ظل يتمركز لعهود،عند ملتقى أسواق العطارين والحدادين،الكيماخين والسمارين، يشكل قبلة للمنتشين برحيق كوؤس الشاي والعاشقين لنُكهات البن المُحمص الطري. ترددت حكايات و حكايات،أن ذلك العمود كان نقطة بدء مدينة مراكش التاريخية المسورة،نحو مسافات المدن الأخرى، كان صرتها و حبل وريدها،لكن داسته أقدام الظلام،ثم اختفى،وكأن العمود نفسه تساءل لماذا اختفى…؟ تتحول ليالي الزقاق بعد أن تسدل ستائره الناعمة،إلى خلوات إبتهال مفعمة برموز الوجد و العشق و الوصال، يعتكف فيها القمر رفقة مريديه من الأجرام السماوية العامرة بالسناء،لإحياء جلسات تسبيح ربانية، الله حي … الله حي … الله حي، ومناجاة للحمد والشكر والامتنان بعد كل رحلة سلطانية.قدر للزقاق بعد تداول الأسماء في السماء،أن يجمل إسم إبن العريف عالمٌ متصوفٌ أندلسي من آل ألمرية،استقدم إلى مراكش العاصمة المرابطية،بعد استدراجه بوشاية فتوى،من بعض فقهاء الأندلس.حمل في صدره من محاسن مجالسه نفحات باطنية مشرقة بصفاء الروح،لتواسيه في محنته التي استشعر هولها بعد قدومه من الفردوس المفقود.لازم تلاوة الأذكار والأوراد،وتحميد الكرامات في زاوية صوفية افتراضية،قبل أن تصير ضريحا متقوقعا في غربته،دفن فيه بعد تسميمه تحت الإكراه.الضريح إمتداد للزقاق الهادئ المنزوي يجاور مسجد بن يوسف المرابطي وقبته الفيحاء التي شكلت إلى جانبه حصنا منيعا لحفظ ذكريات الفتوحات، وسجلات الأمجاد،وإلى ما آل إليه ذلك التدافع الحضاري بعد تلك الأيام و السنين الخوالي.

……كانت البئر و شجرة كروم العنب تشكلان روح الزقاق، كل الذين سبق لهم في كل الأزمنة المتوالية السالفة واللاحقة، أن شربوا من فرات مائها، و تذوقوا حلو عناقيدها،لم يدخروا جُهدا في حمايتها من تسلط الدخلاء وتهور العابثين،والعناية الفائقة برمزية حامله.ازدهرت في بداية عمرانه حرف وفنون،وتناوبت على إنسيابها ونعومتها في الخلق والإبداع،أجيال وأجيال، كان محترفو تلك الحرف من أهل آلله و التقوى، يمارسونها في هدوء وسكينة يلتمسون على الدوام الشكر والحمد و نكران الذات.قبل أن تبدأ تلك الحرف و الفنون تنقرض برحيل روادها مع تعاقب السنين،حلت مكانها المطرقة .. طق … طق … طق … ورنين السندان.تحول هدوء الزقاق إلى صخب وسكينته إلى رعونة.طُمرت البئر و اختفت شجرة الكروم،ونُسِي ابن العريف العالم القطب المتصوف الذي لم يبق منه في ذاكرة الزقاق،غير لويحة مرمرية متهالكة تميل إلى بياض مُحتشم تحمل إسمه، مُتبثة على مدخل ضريحه المتواضع،المحاذي لسوق العطارين، الذي فقد بدوره عبق روائحه الزكية،بعدما كانت تزخر أرفف حوانيته بأنواع الأبخرة، وعطور القرنفل والياسمين وماء الورد،كأنها مباخر مستوحاة، من سواد عُيون مَهَا البراري.أصبح الشيخ القطب يُعرف عند العامة بسيدي بلعريف الولي الصالح صاحب الكرامات وبركات أكل الزبيب بالريشة والإبرة طلبًا للذكاء والنباهة.أما فضاء الزقاق فاكتسحه دوي السندان، وتسكع صداه بين شروخ جدرانه المكلومة التي مسها الضر والإهمال. تعود زوار الزقاق الجدد على تداول إسم الحاج المعلم الميلودي الحداد، فأصبح علامة فارقة له.

….يحكي أن سِرْبَةَ نوارس مُتيمة بعشق الجمال وسحر الإلهام، قدمت من شواطئ المحار، وسواحل المجرات المرجانية الفاتنة، في مهمة فوق العادة.حملت في مُقلها العسلية البادخة، روحَ الزقاق، وفرات ماء البئر وبذرة نواة شجرة الكروم، وبوصلة العمود السارية. سافرت بها إلى عوالم عُلوية ماروائية لا مكان فيها للسماجة والغدر و اللامبالاة ونسيان الفضل.نعم .. حملت تلك النوارس المجيدة كل شيء جميل في الزقاق… وطارت .

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

1 تعليق

  1. محمد معتصم العلوي يقول

    قرات للمرة الثالثة على التوالي بين ليلة الامس وظهيرة اليوم، هذه القصة الصغيرة المعبرة والإبداعية، والتي تركت لديَّ إنطباعا، كأني أقرأ قصيدة شعرية مقفاة، إذ سافرت القصة بنا عبر الازمنة والامكنة والاحداث المتواترة، كأنها تؤرخ لميلاد وموت مدينة او مدنية ! فقد برع القاص قي توضيح صلة الوصل بين كل ذلك، وتوظيف حضور احد رموز الصوفية،بشكل قصصي شيق وجميل، ذاك المتصوف الذي خسر حياته التليدة وكان ضحية الوشايات الكاذبة.
    في مراكش، هناك في حاضرة السلاطين والملوك والعلماء والقادة والفقهاء والأولياء، منذ تأسيسها من طرف الصالحين، ومن تعاقبوا عل حكمها من رموز الامبراطورية المغربية !

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.