رحلة الأسد من كليلة ودمنة وحدائق الحيوانات إلى علبة الكبريت

طالما تفرستُ في صورةِ الأسدِ، خلال مرحلة طفولتي المُبكرة، على علبة أعواد الثقاب، حيث كان يحمل إسما آخر من أسمائه، هو السبع، وحسب إعتقادي الطفولي البريء، فقد كنت أجدُ من خلال هذه الصورة على علبة الكبريت ، هذا الأسد لطيفا ووديعا، يكاد يكون في صورته مبتسما، إذ لم أكن قد إطلعت في هذه المرحلة المبكرة من حياتي على وصية أبي الطيب، في أن بروز أنياب الأسد لا تعني حتما أنه يبتسم .

ثم رأيت الأسد خلال هذه المرحلة، في “السيرك عمار” رفقة أبي يرحمه الله، ثم عاودت رؤيته لمرة أخرى في تلكـ الخرجات التي كانت تنظمها المدرسة إلى سيركـ آخر فيما بعد، كان ينتظم في باب دكالة بمراكش .

ومهما يكن، فلا أعرف كيف خرج الأسد من الغابة، ليستقر في حكايات “كليلة ودمنة” وفي مختلف القصص العالمية، وإنما أعرف أن الأسد يظل يرمز للقوة والسلطة والعظمة في شعار المملكة المغربية، وفي التاريخ وفي المعارك وفي ماورد عن سيدي رحال البودالي وحكايات بعض أقطاب الصوفية، وفي الألقاب وعلى النياشين والأوسمة، وبمقدمات أفلام شركة” مترو الهوليوودية” ، وبتشبيهات الشعراء لممدوحيهم والكتاب من البلغاء والمُترسِّلين، خصوصا العرب من إمرئ القيس والأعشى إلى بعض شعراء عصرنا الحالي، وبلوحات الرسامين من الكلاسيكيين الجُدد فيما بعد دافنشي مع “روبينز” و “پوسان” وفي معجزات القديسين ممن رفضت الأسود إفتراسهم، غير آبهةً بتحفيزات الأمبراطور ولا بتصفيقات وتشجيعات وهُتافات جماهير روما المتعطشة لرؤية الدماء، والمبثوثة على مدرجات “الكوليزيوم”….
وقد حكى لي صديق ظريف، نكتةً حول أســـدٍ أنهَكَهُ الجوع حتى إلتصق جلده على عظامه، في أحد البلدان ، بسبب القحط والحروب الأهلية، وتناحُر الإيديولوجيات، فأُخِذَ أسيرًا إلى إحدى حَلبات صراع الكلاب الشرسة في إحدى العواصم الثرية، فكان يصرعُ كل كلبٍ يُقــدَّمُ للعراكـ معه، مهما كـَـبُر حجمه وإحْتَدَّتْ أنيابُهُ، وهذا ما أثار دهشة الحاضرين، فسُئِل بعدما تم تتويجه بالجائزة الكبرى للمسابقة :
“يالكـَــ من كلب شُجاع قوي، على الرغم من نحافتكـ وهُــزَالــكـ ، فكيف لكَـ أن تنتصرَ على كل هذه الكلاب الشرسة الضخمة …. !؟
فأجاب : ياسادة، إنَّمَا أنا أسدٌ ولستُ كلباً… ولكن قبح الله الجوع .

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.