مونيا بوطالب تحت القبعة في مراكش، فنانة الفرادة والطلاوة اللونية وتوثيق الذكريات

مـحـمـد الـقـــنـــور :

بعنوان : “تحت القبّعة” Sous le Chapeau، أو Under the Hat تعرض الفنانة التشكيلية المغربية مونيا بوطالب معرضها التشكيلي الجديد، الاستثنائي، ،وذلكــ برواق ديزاين آند كو Design & Co بشراكة مع فندق موفنبيك Mövenpick منصور الذهبي في شارع محمد السادس بمراكش.
يَمنحُ هذا المعرض المتميز المنظم مابين 6 إلى 30 مايو الجاري في غاليري الفندق المذكور، بلوحات الفنانة بوطالب التي لاتقل عن 115 ،فرصةً للغوص في عوالم بوطالب الغنية والمعبرة والمتعددة الواجهات الفكرية والإبداعية، كثمرة أربع سنوات من العمل الدؤوب للفنانة.

وتمتاز لوحات الفنانة التشكيلية مونيا بوطالب، بكونها إستطاعت أن تحول لوحاتها إلى فضاء تتقاطع فيه أساليب الفن الحديث، مع الطبيعة، وكأنها دعوة للتأمل في الحياة والوجود والذات بمختلف آمالها وتطلعاتها، وبكل بآلامها ومخافها، بطريقة حداثية مُعاصرة، حيث تنسجم بشكل هارموني مع أعمالها الفنية بشكل أساسي على الورق، الذي تم جمعه خلال عدة رحلات للفنانة حول العالم، وهي الرحلات التي ألهمت تجربتها البصرية، وصقلت مخزونها المعرفي، وشكلت مناعة قوية لفكرها التشكيلي تقف ضد التيه واللامبالاة والنسيان، بحيث أن كل لوحة في هذا المعرض تقدم نظرة شمولية للمراحل المختلفة التي قطعتها الفنانة مونيا بوطالب في تأملاتها الفنية، وفي حياتها اليومية، وفي ذاكرتها البصرية، وفي رحلاتها عبر الجغرافيا والزمان، وفي ما برعت الفنانة بوطالب في أن تختزله من تداعيات زمن كورونا على نفسية ووجدان هذه المبدعة.

ولاشك عندي، أن جائحة فيروس كورونا، كانت قد طبعت الفنانة التشكيلية مونيا بوطالب، بالكثير من التأمل في الحياة وفي الناس،في الواقع وفي الآفاق المرتقبة، ولاشكــ، عندي أن الفنانة ظلت تتأمل في الصورة المجهرية لذاك الفيروس الكوكبي، المتعدد القرون، والذي أثر على حياة الناس، وقلب مسار الأزمنة وفضاءات الأمكنة، فرأت فيه فطرا بريا قاتلا وصامتا، منزويا في الأركان، وكاشفا لكل درجات التعقيد بالوضع العالمي من جهة، ومثالا قويا يكشف ازدواجية الطبيعة البشرية من جهة ثانية.

كما أنني أكاد أجزمُ، أن فيروس كورونا وما نتج عنه من جائحة، كان مصدر إلهام للفنانة مونيا بوطالب في أن تبحر في عوالم الفن التشكيلي”، وفي إبداعاتها المتقنة الجميلة وفي قيمها وجمالية ذاكراتها واسفارها، وفي أن تطلق العنان لحدسه الفني الذي يقوده إلى عالم الإبداع، معتمدا على البيئة التي يعيش فيها كمصدر أساسي للإلهام يستقي منها المواد الخام التي ما إن يضفي عليها لمسته المتميزة، حتى تتحول إلى لوحات فنية راقية، ويبرع في دمج العناصر في تعبيراته الفنية المختلفة ما يحدث انسجاماً بين الألوان والأشكال بغية تحقيق التوازن”.

وعلى كل حال، فإن تمَثُّلات الفِطر في لوحات معرض”تحت القبّعة” Sous le Chapeau، للفنانة التشكيلية المغربية مونيا بوطالب، تضع الجمهور من المشاهدين والمتأملين لها، في بوثقة إكتشاف أثر هذه الجائحة على ذات الفنانة، وعلى الواقع الإنساني ككل، حيث أن الفنانة بوطالب جزء متفاعل مع هذا الواقع،
تتخذ من الرمزية والتعبير الدلالي باللون والطيف موقعا أساسيا في جل أعمالها الفنية بهذا المعرض، الذي يجسد أحداث وتداعيات زمن كورونا، بإقتدار ومهنية، وبواقعية وصدق، مستندة في أعمالها على طبيعة المكان وأهمية الزمن، وقوة الجائحة لتوثيق المعالم الأساسية لها، بلغة التشكيل والفكر التشكيلي، وليكون مرجعية دلالية في المستقبل للمجتمع، ولتاريخ الفن المعاصر بالمغرب، بلوحات على الورق مدروسة المساحات والمواد والقيم وتفاوتات الظل والنور، وبفنية يجدها المتلقي غاية في الروعة والتفرد البصري.


كما يقدم معرض “تحت القبعة” بتلك العلاقة القائمة على الأخذ والعطاء بين الفن والطبيعة، والحفاظ على التراث الأدبي. من خلال مَنحِ الكتب والأوراق المهجورة حياةً جديدة، واحتفاءُ مونيا بكنوز الماضي هذه يتجلى في بعثها في حلة جديدة من خلال توظيفها في اللوحة لتحقيق تمثلات فنية، تجسِّدُ اندماجًا متناغمًا بين الماضي والحاضر، وتسائل علاقتنا بالحياة والطبيعة، وبالمستقبل والتكنولوجيا، بجمال الطبيعة وبأسئلة الإنسان حول الحياة والموت.

والواقع، أن “تحت القبعة” ليس هذا هو المعرض الأول للفنانة مونيا بوطالب، وإنما بوطالب كانت قد حظيت ومنذ مدة غير قصيرة، بشهرة كبيرة داخل المغرب وخارجه كفنانة تشكيلية ، مستمرة على الدوام في صقل تجربتها، وشحد مواهبها، وتوسيع دائرة الباحثين في تجربتها التشكيلية وأوساط النقاد من المهتمين بلوحاتها ولمساتها الفنية، وعُشّاق فنها التشكيلي.
في شهر يوليوز من سنة 2017، فازت مونيا بجائزة “خوسي دياس فونتيس المرموقة في بينالي ساريا التاسع ضمن فعاليات المعرض الدولي للفنون في إسبانيا، حيث تنافست مع ما يناهز ثمانين رساما من ثلاثة وعشرين دولة، ممن شاركوا بأكثر من مائتي لوحة.


وعنها وعن تجربتها التشكيلية، تؤكد رئيسة الجمعية الدولية للفنانين (AAC) الفنانة التشكيلية الفرنسية ميشيل فريلي، ، أن “مونيا بوطالب فنانة منتظِمة ورصينة، تأتي أعمالُها الفنية نتيجةَ بحثٍ موضوعاتي يتطورُّ باستمرار، وتكشفُ لوحاتُها التجريدية عن وجود حقائق غير مرئية وغير معروفة، تلك المتعلقة بإشكالية العلاقات الإنسانية وروابطها من الفرح، الصداقة، الحب، السعادة، الأمل، الاختلاف، التسامح، العاطفة أو التنوع … وعلاقة الإنسان بالحرية ” .
وللإشارة، فإن مونيا نجم الدين بوطالب ولدت سنة 1971 بالدار البيضاء، حيث تعيش وتعمل اليوم. ومنذ طفولتها، ظهر لديها شغف كبير بالتعبير الفني بمختلف جوانبه، حيث شكل تحديًا بالنسبة إليها.

وبعد مسار مهني عاشت خلاله متنقِّلة بين المغرب وفرنسا، أقامت في باريس مدينة اللوفر، ومنطلق أكثر من إتجاه فني وأدبي، لمدة ثلاث سنوات، إذ تعرفت خلالها على تاريخ الفن. ثم تابعت تكوينها الفني بمدرسة الفنون الجميلة في باريس وحضرت بانتظام عدة أوراش فنية، مما جعلها تتمكن من التصوير التشخيصي بأشكاله المختلفة من الرسم، وتصوير على الزجاج وما إلى ذلك. ولتنقل لمساتها التشكيلية إلى قواميس التجريد.
وتعالجُ مونيا فنياً موضوعاتٍ مثلَ الأحاسيس أو العاطفة، وذلك بأسلوب دقيق ولمسات رفيعة وتقنيات تطبعها الطلاوة والنعومة والأنوثة، تكرس أهمية الاستمتاع بفن التصوير، والتعبير عن رؤيتها للعلاقات الإنسانية.

كما لا يفوتني أن أسجل، أن مؤسسة ديزاين آند كو (غاليري) تشكل رواقا فنيا فريدا من نوعه في مراكش، وعلى المستوى الوطني، دأبت منذ تأسيسها على نشر الثقافة التشكيلية، وترويج الأعمال الفنية للفنانين المغاربة والأجانب، وتقريب الجمهور من المجموعات المتنوعة من الأعمال الفنية التشكيلية المعاصرة، سواء في فن التصوير أو النحت أو الفوتوغرافيا، أو في فنون الزخرفة، وفن الملصقات، و الكاليغرافيا، وبالإضافة إلى تسليطها الضوء على أحدث الاتجاهات في فن التصاميم و الديزاين، وما يوفره هذا الأخير من مساحة مخصَّصة للديكورات الطلائِعية.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.